ومواجها به في قراءة الجماعة لما يؤذن به كشف هذه الأزمات من القرب المقتضي للخطاب ، ولذلك أكد بزيادة «ما» فقال : (قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) أي بأن من أنجاكم من ذلك وحده حين أخلصتم له التوجه عند اشتداد الأمر هو المالك لجميع أموركم في الرخاء كما كان مالكا له في الشدة ، وأن الأصنام لا تملك شيئا بشفاعة ولا غيرها كما لم تملك شيئا في اعتقادكم عند الأزمات ، واشتداد الكربات ، في الأمور المهمات ، فإن هذا قياس ظاهر ، ودليل باهر ، ولكن من طبع الإنسان نسيان ما كان فيه من الضير ، عند مجيء الخير ، ومن قرأ بالتحتانية وهم أبو عمرو وهشام وروح ، فللإيذان بالغضب الأليق بالكفران ، مع عظيم الإحسان.
ولما ذكر آيات الأرض ، وختم بالمضطر ، وكان المضطر قد لا يهتدي لوجه حيلة ، أتبعها آيات السماء ذاكرا ما هو من أعظم صور الاضطرار فقال : (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ) أي إذا سافرتم بما رسم لكم من المعالم العلوية والسفلية (فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ) أي بالنجوم والجبال والرياح ، وهي وإن كانت أضعفها فقد يضطر إليه حيث لا يبدو شيء من ذينك (وَالْبَحْرِ) بالنجوم والرياح.
ولما كانت الرياح كما كانت من أدلة السير ، كان بعضها من أدلة المطر ، قال : (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ) أي التي هي من دلائل السير (نَشْراً) أي تنشر السحاب وتجمعها (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أي التي هي المطر تسمية للمسبب باسم السبب ؛ والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع : الصبا ، والدبور ، والشمال ، والجنوب ، وهي أضعف الدلائل ؛ قال الإمام أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب أسماء الأشياء وصفاتها : الرياح أربع : الشمال ، وهي التي تجيء عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق ـ يعني : وذلك ما بين مطالع الشمس الصيفية وبنات نعش ، وهي في الصيف حارة ، واسمها البارح ، والجنوب تقابلها ، والصبا من مطلع الشمس وهي القبول ، والدبور تقابلها ، ويقال للجنوب : النعامى والأرنب ـ انتهى. وهذه العبارة أبين العبارات في تعيين هذه الرياح ، وقال الإمام أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص الطبري الشافعي في كتابه أدلة القبلة : إن قبلة العراقيين إلى باب الكعبة كله إلى الركن الشامي الذي عند الحجر ، وقال : وقد اختلف أهل العلم بهذا الشأن ـ أي في التعبير عن مواطن الرياح ـ اختلافا متباينا ، وأقرب ذلك ـ على ما جربته وتعاهدته بمكة ـ أن الصبا تهب ما بين مطالع الشمس في الشتاء إلى مطلع سهيل ، وسهيل يمان مسقطه في رأي العين على ظهر الكعبة إذا ارتفع ، وقال صاحب القاموس : والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش ، وقال : والقبول كصبور : ريح الصبا ، لأنها تقابل الدبور ، أو لأنها تقابل باب
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
