نبات ، أو أن تخرق ذلك الحابس بما لها من قوة الجري وشدة النفوذ بلطافة السريان ، لأن من عادة المياه التخلل بين أطباق التراب والتغلغل بما لها من اللطافة والرقة ، والثقل في الأعماق ولو قليلا قليلا ، وكان سبحانه قد سد ما بين البحرين : الرومي والفارسي ، وكان ما بينهما من الأرض إنما هو يسير جدا في بعض المواضع ، وكان بعض مياه الأرض عذبا ، وبعضه ملحا ، مع القرب جدا من ذلك العذب ، سألهم ـ تنبيها لهم على عظيم القدرة ـ عن الممسك لعدوان أحدهما على الآخر ، ولعدوان كل من خليجي الملح على ما بينهما لئلا يخرقاه فيتصلا فقال : (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً) أي يمنع أحدهما أن يصل إلى الآخر.
ولما كان من المعلوم أنه الله وحده. ليس عند عاقل شك في ذلك ، كرر الإنكار في قوله : (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ) أي المحيط علما وقدرة. ولما كان الجواب الحق قطعا : لا ، وكان قد أثبت لهم في الإضراب الأول علما من حيث الحكم على المجموع ، وكان كل منهم يدعي رجحان العقل ، وصفاء الفكر ، ورسوخ القدم في العلم بما يدعيه العرب ، قال : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) أي الخلق الذين ينتفعون بهذه المنافع (لا يَعْلَمُونَ) أي ليس لهم نوع من العلم ، بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح.
ولما دلهم بآيات الآفاق ، وكانت كلها من أحوال السراء ، وكانت بمعرض الغفلة عن الإله ، ذكرهم بما في أنفسهم مما يوجبه تغير الأحوال الدالة بمجردها على الإله ، ويقتضي لكل عاقل صدق التوجه إليه ، وإخلاص النية لديه ، والإقبال عليه ، على ذلك ركزت الطباع ، وانعقد الإجماع ، فلم يقع فيه نزاع ، فقال : (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ) أي جنس الملجأ إلى ما لا قبل له به ، الصادق على القليل والكثير إذا أراد إجابته كما تشاهدون ، وعبر فيه وفيما بعده بالمضارع لأنه مما يتجدد ، بخلاف ما مضى من خلق السماوات وما بعده (إِذا دَعاهُ) أي حين ينسيكم الضر شركاءكم ، ويلجئكم إلى من خلقكم ويذهل المعطل عن مذهبه ويغفله عن سوء أدبه عظيم إقباله على قضاء أربه.
ولما كانت الإجابة ذات شقين ، جلب السرور ، ودفع الشرور ، وكان النظر إلى الثاني أشد ، خصه بادئا به فقال : (وَيَكْشِفُ السُّوءَ) ثم أتبعه الأول على وجه أعم ، فقال مشيرا إلى عظيم المنة عليهم بجعلهم مسلطين عالين على جميع من في الأرض وما في الأرض مشرفين بخلافته سبحانه ، ولذلك أقبل عليهم ، (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ) أي فيما يخلف بعضكم بعضا ، لا يزال يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى قيام الساعة. ولما كان هذا أبين ، كرر الإنكار فيه مبكتا لهم بالنسيان فقال : (أَإِلهٌ) أي كائن أو موجود (مَعَ اللهِ) أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له. ثم استأنف التبكيت تفظيعا له
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
