ولما أجمل ، فصل ليكون أكمل ، فقال : (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ) أي تعينكم على الأعمال وتأكلون منها وتبيعون. ولما قدم ما يقيم الأود ، أتبعه قوله : (وَبَنِينَ) أي يعينونكم على ما تريدون عند العجز. ثم أتبعه ما يحصل كمال العيش فقال : (وَجَنَّاتٍ) أي بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها ، وأشار إلى دوام الريّ بقوله : (وَعُيُونٍ).
ولما كانوا في إعراضهم كأنهم يقولون : ما الذي تبقيه منه؟ قال : (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ) أي لأنكم قومي يسوءني ما يسوءكم ـ إن تماديتم على المعصية (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب (قالُوا) راضين بما عندهم من داء الإعجاب ، الموقع في كل ما عاب : (سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ) أي خوفت وحذرت وكنت علامة زمانك في ذلك بأن تقول منه ما لم يقدر أحد على مثله ، دل على ذلك قوله : (أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) أي متأهلا لشيء من رتبة الراسخين في الوعظ ، معدودا في عدادهم ، مذكورا فيما بينهم ، فهو أبلغ من «أم لم تعظ» أو «تكن واعظا» ، والوعظ ـ كما قال البغوي : كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. والمعنى أن الأمر مستو في الحالتين في أنا لا نطيعك في شيء ؛ ثم عللوا ذلك بقولهم : (إِنْ) أي ما (هذا) أي الذي جئتنا به (إِلَّا خُلُقُ) بفتح الخاء وإسكان اللام في قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي (الْأَوَّلِينَ) أي كذبهم ، أو ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين في حياة ناس وموت آخرين ، وعافية قوم وبلاء آخرين ، وعليه تدل قراءة الباقين بضم الخاء واللام (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) لأنا أهل قوة وشجاعة ونجدة وبراعة.
ولما تضمن هذا التكذيب ، سبب عنه قوله : (فَكَذَّبُوهُ) ثم سبب عنه قوله : (فَأَهْلَكْناهُمْ) أي بالريح بما لنا من العظمة التي لا تذكر عندها عظمتهم ، والقوة التي بها كانت قوتهم (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الإهلاك في كل قرن للعاصين والإنجاء للطائعين (لَآيَةً) أي عظيمة لمن بعدهم على أنه سبحانه فاعل ذلك وحده بسبب أنه يحق الحق ويبطل الباطل ، وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا يذل وعلى أعدائه ومن كان عليه لا يعز (وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ) أي أكثر من كان بعدهم (مُؤْمِنِينَ) فلا تحزن أنت على من أعرض عن الإيمان (وَإِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بإرسالك وغيره من النعم (لَهُوَ الْعَزِيزُ) في انتقامه (الرَّحِيمُ) في إنعامه وإكرامه وإحسانه ، مع عصيانه وكفرانه ، وإرسال المنذرين وتأييدهم بالآيات المعجزة لبيان الطريق الأقوم ، والمنهج الأسلم ، فلا يهلك إلا بعد الإعذار بأبلغ الإنذار ؛ ثم دل على ذلك لمن قد ينسى إذ كان الإنسان مجبولا على النسيان بقوله : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ) وهم أهل الحجر (الْمُرْسَلِينَ) وأشار
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
