ولما كان ذلك أمرا باهرا ، عظمه بقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم من الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك (لَآيَةً) أي عظيمة لمن شاهد ذلك أو سمع به ، على أنا ننتقم ممن عصانا ، وننجي من أطاعنا ، وأنه لا أمر لأحد معنا فيهديه إلى الإيمان ، ويحمله على الاستسلام والإذعان (وَما) أي والحال أنه ما (كانَ أَكْثَرُهُمْ) أي أكثر العالمين بذلك (مُؤْمِنِينَ) وقد ينبغي لهم إذ فاتهم الإيمان لمحض الدليل أن يبادروا إليه ويركبوا معه حين رأوا أوائل العذاب أو بعد أن ألجمهم الغرق (وَإِنَّ رَبَّكَ) المحسن إليك بإرسالك ، وتكثير أتباعك ، وتعظيم أشياعك (لَهُوَ الْعَزِيزُ) أي القادر بعزته على كل من قسرهم على الطاعة ، وإهلاكهم في أول أوقات المعصية (الرَّحِيمُ) أي الذي يخص من يشاء من عباده بخالص وداده ، ويرسل إلى الضالين عن محجة العقل القويمة الرسل لبيان ما يجب وما يكره ، فلا يهلك إلا بعد البيان الشافي ، والإبلاغ الوافي.
ولما كان كأنه قيل : إن هذا لأمر هائل ، في مثله موعظة ، فما فعل من جاء بعدهم؟ هل اتعظ؟ أجيب بقوله دلالة على الوصفين معا : (كَذَّبَتْ عادٌ) أي تلك القبيلة التي مكن الله لها في الأرض بعد قوم نوح (الْمُرْسَلِينَ) بالإعراض عن معجزة هود عليه الصلاة والسّلام ؛ ثم سلى هذا النبي الكريم صلىاللهعليهوسلم بقوله : (إِذْ) أي حين (قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ) لم يتوقفوا في تكذيبه ولم يتأخروا عن وقت دعائه لتأمل ولا غيره ، وقد عرفوا صدق إخائه ، وعظيم نصحه ووفائه (أَلا) بصيغة العرض تأدبا معهم وتلطفا بهم ولينالهم (تَتَّقُونَ) أي تكون منكم تقوى لربكم الذي خلقكم فتعبدوه وحده ولا تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع ؛ ثم علل بقوله : (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ) أي فهو الذي حملني على أن أقول لكم ذلك (أَمِينٌ) أي لا أكتم عنكم شيئا مما أمرت به ولا أخالف شيئا منه (فَاتَّقُوا) أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم : اتقوا (اللهَ) الذي هو أعظم من كل شيء (وَأَطِيعُونِ) أي في كل ما آمركم به من دوام تعظيمه (وَما) أي أنا رسول داع والحال أني ما (أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي الدعاء (مِنْ أَجْرٍ) فتتهموني به (إِنْ) أي ما (أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ).
ولما فرغ من الدعاء إلى الأصل ، وهو الإيمان بالرسول والمرسل ، أتبعه إنكار بعض ما هم عليه مما أوجبه الكفر ، وأوجب الاشتغال به الثبات على الغي ، واعظا لهم بما كان لمن قبلهم من الهلاك ، مقدمة على زيادة التأكيد في التقوى والطاعة لأن حالهم حال الناسي لذلك الطوفان ، الذي أهلك الحيوان ، وهدم البنيان فقال : (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ) أي مكان مرتفع ؛ قال أبو حيان : وقال أبو عبيدة : الريع الطريق. وقال مجاهد :
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
