فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم ، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال ، والانهماك في الضلال ، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف : (لَوْ لا) أي هلا ولم لا.
ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة ، عبر بالإنزال فقال : (أُنْزِلَ) أي على أيّ وجه كان من أيّ منزل كان (عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) أي كما أنزلت عليه فيما يزعم (أَوْ نَرى رَبَّنا) بما له إلينا من الإحسان وما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها ، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة.
ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترىء عليه ، لأن فيه اعتراضا على من لا يحد وصف عظمته ، ولا تدرك مقاصد حكمته ، قال مصدرا بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جوابا لمن كأنه سأل : ما حالهم في هذا؟ (لَقَدِ) أي وعزتنا لقد (اسْتَكْبَرُوا) أي طلبوا بل أوجدوا الكبر. ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر ، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم ، قال : (فِي أَنْفُسِهِمْ) أي بطلب رؤية الملائكة.
ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واسطته الملك ، وزادوا عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله ، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية ، قال : (وَعَتَوْا) أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار ، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له بقوله : (عُتُوًّا كَبِيراً) وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتوا وظلما أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعا بعجزهم عن الإتيان بشيء منه على صدقه صلىاللهعليهوسلم عن الله في كل ما يقوله ، وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى : ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم! ثم بين لهم حالهم عند بعض ما طلبوا فقال : (يَوْمَ) وناصبه ما دل عليه («لا بُشْرى» يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ) أي يوم القيامة أو قبله في الغزوات أو عند الاحتضار (لا بُشْرى) أي من البشر أصلا (يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ) أي لأحد ممن قطع ما أمر الله به أن يوصل ، ولبيان ذلك أظهر موضع الإضمار (وَيَقُولُونَ) أي في ذلك الوقت : (حِجْراً مَحْجُوراً) أي نطلب منعا منكم ممنوعا ، أي مبالغا في مانعيته ، ويجوز أن يراد بالمفعول الفاعل ، والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يكون بينهم وبين الملائكة مانع عظيم يمنعهم منهم ؛ قال أبو عبيدة : وهذا عوذة العرب ، يقوله من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة وقال سيبويه : يريد البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمرا ، فكأنه قال : أحرم ذلك حراما محرما ، ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل : أتفعل كذا وكذا؟ فيقول : حجرا أي سترا وبراءة من هذا ، فهذا ينتصب على
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
