الدنيا ، ليظهر ما نعلمه من كل من الطاعة والمعصية في عالم الغيب للناس في عالم الشهادة ، فنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني أو جزعه ، والملك ومن في معناه من الأشراف بصبرهم على ما أعطيه الرسول من الكرامة والبلوغ بالقرب من الله إلى ما لا يبلغونه مع ما هم فيه من العظمة ، فلأجل ذلك لم أعط رسولي الدنيا ، وجعلته ممن يختار العبودية والكفاف بطلب المعاش في الأسواق ، لأبتليكم في الطاعة له خالصة ، فإني لو أعطيته الدنيا ، وجعلته ممن يختار الملك ، لسارع الأكثر إلى اتباعه طمعا في الدنيا ، وهذا معنى (أَتَصْبِرُونَ) فإنه علة ما قبله ، أي لنعلم علم شهادة هل تصبرون فيما امتحناكم به أم لا؟ كما كنا نعلمه علم غيب ، لتقوم عليكم بذلك الحجة في مجاري عاداتكم ، وفيها مع العلية تهديد بليغ لمن تدبر ، ويجوز أن يكون الاستفهام استئنافا للتهديد.
ولما كان الاختبار ربما أوهم نقصا في العلم ، وكان إحسانه سبحانه إلى جميع الخلق دون إحسانه إلى سيدهم وعينهم ، وخلاصتهم وزينهم : محمد صلىاللهعليهوسلم ، وكان أعلمهم بتنزيهه وتعظيمه ، وكان امتحانهم بجعله نبيا عبدا مع كونه في غاية الإكرام له ربما ظنوه إهانة ، نفى ما لعله يوهمه كل من الاستفهام والامتحان في حق الله سبحانه وحق نبيه صلىاللهعليهوسلم ، فقال صارفا وجه الخطاب إليه : (وَكانَ رَبُّكَ) أي المحسن إليك إحسانا لم يحسنه إلى أحد سواك ، لا سيما بجعلك نبيا عبدا (بَصِيراً) بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان ، لم يفده ذلك علما لم يكن ، وهو سبحانه يضع الأمور في حاق مواضعها وإن رئي غير ذلك ، فينبغي على كل أحد التسليم له في جميع الأمور فإنه يجر إلى خير كبير ، والتدبر لأقواله وأفعاله بحسن الانقياد والتلقي فإنه يوصل إلى علم غزير ، وما أراد بابتلائك بهم وابتلائهم بك في هذا الأذى الكبير إلا إعلاء شأنك وإسفال أمرهم (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) [ص : ٨٨].
ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك ، وكثرة الصنائع ، والإحسان إلى جميع الخلق ، وكان من حق كل مربوب أن يتعرف إلى ربه ، كائنا من كان ، لا سيما إذا كان بهذه الصفة ، لينال من إحسانه ، ويتعزز به على أقرانه ، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى : (وَقالَ) وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال : (الَّذِينَ لا يَرْجُونَ) أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا (لِقاءَنا) فهم لا يعملون عملا يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد ، ومن أعرض عنها كانت عليه فهلك ، فصارت لذلك عقولهم تبعا لشهواتهم ،
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
