وغلبوا على سائر مملكة الفرس واليمن وأكثر الروم ، وانتثلوا من كنوز كسرى وقيصر ما يفوت الحصر ، وقد كان صلىاللهعليهوسلم تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف الملوك ، لأن وعد الله لا خلف فيه ، بل غائبه أعظم من حاضر غيره ، وموعوده أوثق من ناجز سواه ، فأعطى صلىاللهعليهوسلم تميم بن أوس الداري بلد الخليل عليه الصلاة والسّلام من أرض الشام من مملكة الروم ، وأعطى خريم بن أوس ـ الذي يقال له : شويل ـ كرامة بنت عبد المسيح ابن بقيلة من سبي الحيرة من بلاد العراق من مملكة فارس ، وكل منهم قبض ما أعطاه عند الفتح كما يعرفه من طالع كتب الفتوح على أيام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين ، فعندي أن هذا مما أشارت إليه الآية الشريفة ، نزه الله تعالى نبيه صلىاللهعليهوسلم عنه وفتحه على أصحابه ، تشريفا لهم بإزالة أهل الشرك عنه ، وإنعاما عليهم به تصديقا لوعده ، وإكراما لنبيه صلىاللهعليهوسلم بنصر أوليائه وتكثير أمته ، وحضر ذلك كثير ممن كان من القائلين (ما لِهذَا الرَّسُولِ) [الفرقان : ٧] إلى آخره ، وقد كان قادرا على أن يقويه بجميع ذلك قبل موته ، ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر ، لأن نصره على خلاف ما ينصر به أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة ، ولا أموال وافرة ، ولا ملوك معينة قاهرة ، بل كانت الملوك عليه ، ثم صاروا كلهم أهون شيء عليه ، بيد أصحابه من بعده وأحبابه.
ولما ثبت بما أثبت لنفسه الشريفة من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة ، لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول له ، تسلية له صلىاللهعليهوسلم في أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك ، سلاه أيضا بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون حقيقته ، فأضرب عن كلامهم قائلا : (بَلْ) أي لا تظن أنهم كذبوا بما جئت به لأنهم يعتقدون فيك كذبا وافتراء للقرآن ، أو نقصانا لأكلك الطعام ومشيك في الأسواق ، أو في شيء من أحوالك ، أو لا تظن أنهم يكذبون بقدرته تعالى على ما ذكر أنه إن شاء جعله لك بل ، أو المعنى : دع التفكر فيما قالوه من هذا فإنهم لم يقتصروا في التكذيب عليه بل (كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) أي بقدرتنا عليها ، واستقر ذلك في أنفسهم دهورا طويلة ، وأخذوه خلفا عن سلف ، وأشرب قلوبهم حب هذا الحطام الفاني ، وتقيدت أوهامهم بهذه الظواهر كالبهائم ، فعسر انفكاكهم عن ذلك بما جاءهم من البيان الذي لا يشكون فيه ، فاجترؤوا لذلك على العناد لعدم الخوف من أهوال يوم القيامة كما قال تعالى عن أهل الكتاب (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) [آل عمران : ٢٤](وَأَعْتَدْنا) أي والحال أنا أعتدنا أي هيأنا بما لنا من العظمة (لِمَنْ كَذَّبَ) من هؤلاء وغيرهم (بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) أي نارا شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وأتباعهم رضي الله عنهم (إِذا رَأَتْهُمْ) أي إذا كانت بحيث يمكن أن يروها
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
