بعده من بلاد فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ولذلك عبر في الجنات بالماضي ، وفي القصور بالمضارع ، وأتيحوا كنوز كسرى بن هرمز ، فإن اللائق بمقام الملوك أن تكون إشاراتهم أوسع من عباراتهم ، فإذا ذكروا شيئا ممكنا على سبيل الفرض كان من إرادتهم إيجاده ، ويحبون أن يكتفى منهم بالإيماء ، وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما يعتمد على تصريح غيرهم ، وأن يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم به من غيرهم ، والممكن في كلامهم كالواجب ، فما ظنك بملك الملوك القادر على كل شيء! وهو قد صرف سبحانه الخطاب إلى أعلى الناس فهما ، وأغزرهم علما ، وقد أراه سبحانه ما يكون من ذلك من بعده في غزوة الخندق. روى البيهقي في دلال النبوة (١) عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما خط الخندق ليحفره جعل على كل عشرة أربعين ذراعا ، وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه رجلا قويا ، فاختلف فيه المهاجرون والأنصار ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «سلمان منا أهل البيت» (٢) فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة ، قال عمرو : فكسرت حديدنا. وشقت علينا ، فقلنا : يا سلمان ارق إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأخبره خبر هذه الصخرة ، فأخبره فأخذ صلىاللهعليهوسلم المعول من سلمان فضربها ثلاث ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعا ، وكسرها في الثالثة ، وبرقت مع كل ضربة برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، وكبر رسول الله صلىاللهعليهوسلم مع كل برقة تكبيرة ، ثم أخذ بيد سلمان فرقي فسأله سلمان فقال للقوم : هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا : نعم! يا رسول الله! بأبينا أنت وأمنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر ، لا نرى شيئا غير ذلك ، فقال : أضاءت لي من البرقة الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب ، ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل عليه الصلاة والسّلام أن أمتي ظاهرة عليها. فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد لله! موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر ، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون (هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً)(٣) [الأحزاب : ٢٢] وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه الله تعالى في القرآن ؛ ثم إن الله تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله صلىاللهعليهوسلم ، فافتتح أصحابه رضي الله عنهم جميع ما ذكر ،
__________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي ٣ / ٤١٨.
(٢) أخرج هذه اللفظة الحاكم عن عبد الله المزني عن أبيه صححه وضعفه الذهبي وأخرجه أيضا ٣ / ٥٩٨ عن مصعب بن عبد الله ، وصححه ، وسكت عنه الذهبي.
(٣) تقدم تخريجه.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
