ولما رغب في أول الإسلام ـ لما كان فيه أكثر الناس من الضيق ـ في المؤاساة ، والاجتماع مع الضيوف ، ترغيبا ظن به الوجوب ، مع ما كانوا عليه من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج ، خفف عنهم بقوله : (أَوْ أَشْتاتاً) أي متفرقين لغير قصد الاستقذار ، والترفع والإضرار ، وإن كان الأكل في جماعة أفضل وأبرك ـ كما يفهمه تقديمه ، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي صلىاللهعليهوسلم : إنا نأكل ولا نشبع ، قال : «فلعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه» (١). ولابن ماجة عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة» (٢).
ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته ، ذكر الحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها ، فقال مسببا عما مضى من الإذن ، معبرا بأداة التحقيق ، بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) [النساء : ٢٩] : (فَإِذا دَخَلْتُمْ) أي بسبب ذلك أو غيره (بُيُوتاً) أي مأذونا فيها ، أيّ بيوت كانت مملوكة أو لا ، مساجد أو غيرها (فَسَلِّمُوا) عقب الدخول (عَلى أَنْفُسِكُمْ) أي أهلها الذين هم منكم دينا وقربا ، وعبر بذلك ترغيبا في السّلام ، والإحسان في الإكرام ، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ «السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز (تَحِيَّةً) مصدر من المعنى دون اللفظ ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك وبقاء (مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه (مُبارَكَةً) أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم (طَيِّبَةً) تلذذ السمع ؛ ثم وصف البيان ، تنبيها على ما في هذه الآيات من الحسن والإحسان ، فقال مستأنفا كما مر غير مرة : (كَذلِكَ) أي مثل هذا البيان ، العظيم الشأن (يُبَيِّنُ اللهُ) أي المحيط بكل شيء (لَكُمُ الْآياتِ) التي لا أكمل منها.
ولما كان الله تعالى ، بعلمه وحكمته ، وعزه وقدرته ، ولطفه وخبرته ، قد خلق عقلا نيرا يهدي إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ، وقسمه بين عباده ، وخلق فيهم أنواعا
__________________
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٥٠١ وأبو داود ٣٧٦٤ وابن ماجه ٣٢٨٦ والحاكم ٢ / ١٠٣ وابن حبان ٥٢٢٤ عن وحشي ، وإسناده ضعيف ، كما بيّنه الشيخ شعيب حفظه الله. قال : حسن بشواهده اه ثم استعرض له خمسة شواهد فانظرها.
(٢) أخرجه ابن ماجة ٣٢٨٧ عن عمر رضي الله عنه قال المنذري : وفيه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير واهي الحديث.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
