اجتماعا وانفرادا ، فقال في جواب من كأنه سأل : هل هذا التحجير في البيوت سار في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟ : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) أي في مؤاكلة غيره وما يأتي من الأحكام ، وإن كره غيره أكله لمديده كيفما اتفق فإنه مرحوم ، والاستئذان من أجل البصر (وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ) الذي لا يرجى (حَرَجٌ) وإن تقذر منه بعض المترفين فإنه يجامعه في أنه يرحم لنقصه (وَلا عَلَى الْمَرِيضِ) أي مرضا يرجى بعرج أو غيره (حَرَجٌ) كذلك لمرضه ، وأخره لرجاء برئه (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ) أي ولا على غير من ذكر ، وعبر بذلك تذكيرا بأن الكل من نفس واحدة (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) أي التي فيها عيالكم ، وذكرها سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة ، وليدخل فيها بيوت الأولاد لأنهم من كسب الأب «أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» «أنت ومالك لأبيك» (أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ) وإن بعدت أنسابكم ـ ولعله جمع لذلك ـ فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم (أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ) كذلك ، وقدم الأب لأنه أجل وهو حاكم بيته دائما والمال له (أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ) من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع ، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين ، لأنهم أشقاؤكم ، وهم أولياء بيوتهم (أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ) فإنهن بعدهم ، من أجل أن ولي البيت ـ إذا كن مزوجات ـ الزوج (أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ) فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أو أم ، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط فإنه أحق بالاسم (أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ) فهن بعد الأعمام لضعفهن ، ولأنه ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج (أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ) لأنهم شقائق أمهاتكم (أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ) أخرهن لما ذكر (أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ) أي التصرف فيه بوجه من الوجوه كالوكالة (أَوْ صَدِيقِكُمْ) الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو الغالب ، ولذلك أطلقه ، وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه ، كل ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار ، وقد عدل الصديق هنا بالقريب ، تنبيها على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها ، وخفيف أمرها ، وأفرده لعزته ؛ وعن جعفر بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله كالنفس والأب ومن معه. قال الأصبهاني : وقالوا : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح ، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل.
ولما ذكر معدن الأكل ، ذكر حاله فقال : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) أي شيء من الإثم الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في (أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً) أي مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة ، لأن من كان معرضا للآفات جدير بأن يرحم المبتلى ، فلا يستقذره حذرا من انعكاس الحال.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
