كعب رضي الله عنه قال : لما قدم النبي صلىاللهعليهوسلم وأصحابه رضي الله عنهم المدينة ، وآوتهم الأنصار ـ رضي الله عنهم أجمعين ، رمتهم العرب من قوس واحدة فنزلت (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) الآية. ولقد صدق الله سبحانه ومن أصدق من الله حديثا ـ ففتح سبحانه لهم البلاد ، ونصرهم على جبابرة العباد ، فأذلوا رقاب الأكاسرة ، واستعبدوا أبناء القياصرة ، ومكنوا شرقا وغربا مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم ، كما قال صلىاللهعليهوسلم «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» (١). يعرف ذلك من طالع فتوح البلاد ، وأجمعها وأحسنها النصف الثاني من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي ، وكتاب شيخه ابن حبيش أيضا جامع ، ولا أعلم شيئا أنفع في رسوخ الإيمان ، بعد حفظ القرآن ، من مطالعة السير والفتوح ، وسيرة الكلاعي جامعة للأمرين ، ونظمي للسيرة في القصيدة التي أولها :
|
ما بال جفنك هامي الدمع هامره |
|
وبحر فكرك وافي الهم وافره |
أجمع السير ـ يسر الله إكمال شرحها ، آمين.
ولما قتلوا عثمان رضي الله عنه ، وخرجوا على عليّ ثم ابنه الحسن رضي الله عنهما ، نزع الله ذلك الأمن كما أشير إليه ب «من» وتنكير «أمنا» وجاء الخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلا قليلا إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر عظيم ـ والله المستعان.
ولما كان التقدير : فمن ثبت على دين الإسلام ، وانقاد لأحكامه واستقام ، نال هذه البشرى ، عطف عليه قوله : (وَمَنْ كَفَرَ) أي بالإعراض عن الأحكام أو غيرها ؛ أو هو عطف على (يَعْبُدُونَنِي) لأن معناه : ومن لم يعبدني.
ولما كان الفاسق الكامل إنما هو من مات على كفره فحبط عمله ، فكان بذلك كفره مستغرقا لزمانه دون من مات مسلما وإن كان كافرا في جميع ما مضى له قبل ذلك ، أسقط الجار فقال : (بَعْدَ ذلِكَ) أي الاستخلاف العظيم على الوجه المشروح (فَأُولئِكَ) البعداء من الخير (هُمُ) خاصة (الْفاسِقُونَ) أي الخارجون من الدين خروجا كاملا ، لا تقبل معه معذرة ، ولا تقال لصاحبه عثرة ، بل تقام عليهم الأحكام بالقتل وغيره ، ولا يراعى فيهم ملام ، ولا تأخذ بهم رأفة عند الانتقام ، كما تقدم في أول السورة فيمن لزمه الجلد ، ولعل الآية مشيرة إلى أهل الردة.
ولما تمت هذه البشرى ، وكان التقدير : فاعملوا واعبدوا ، عطف عليه قوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم ، مع أنه يصح عطفه على قوله
__________________
(١) تقدم تخريجه قبل أحاديث.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
