وتحقيقا لما ألزم به من الطاعة ، ولزوم السنة والجماعة ، فقال واصلا بما ختم به الأحكام الأولى ، من الأمر بإنكاح الأيامى ، والكف عن إكراه البغايا ، إثر الذين لم يظهروا على عورات النساء : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي من الرجال والنساء ، إما للتغليب ، وإما لأن النساء أولى بحفظ العورة (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ) تصديقا لدعوى الإيمان (الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) من العبيد والإماء البالغين ، ومن قاربهم ، للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق بذلك إلى مساءتكم (وَالَّذِينَ) ظهروا على عورات النساء ، ولكنهم (لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ) وقيده بقوله : (مِنْكُمْ) ليخرج الأرقاء والكفار (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) في كل دور ، ويمكن أن يراد : ثلاث استئذانات في كل مرة ، فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن كما تقدم : المرة الأولى من الأوقات الثلاث (مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ) لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم (وَ) الثانية (حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ) أي التي للخروج بين الناس (مِنَ الظَّهِيرَةِ) للقائلة (وَ) الثالثة (مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ) لأنه وقت الانفصال من ثياب اليقظة ، والاتصال بثياب النوم ، وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ، ووضع الثياب ، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه ، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه لأنه غير منضبط ، ثم علل ذلك بقوله : (ثَلاثُ عَوْراتٍ) أي اختلالات في التستر والتحفظ ، وأصل العورة ـ كما قال البيضاوي : الخلل. لأنه لما كانت العورة تبدو فيها سميت بها (لَكُمْ) لأنها ساعات وضع الثياب والخلوة بالأهل ، وبين حكم ما عدا ذلك بقوله مستأنفا : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ) أي في ترك الأمر (وَلا عَلَيْهِمْ) يعني العبيد والخدم والصبيان ، في ترك الاستئذان (جُناحٌ) أي إثم ، وأصله الميل (بَعْدَهُنَ) أي في جميع ما سوى هذه الأوقات إذا هجموا عليكم ؛ ثم علل الإباحة في غيرها ، مخرجا لغيرهم ، مبينا أن حكمة الاستئذان في كل وقت كما مضى بقوله : (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ) أي لعمل ما تحتاجونه في الخدمة كما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ويصلحكم في الاستخدام (بَعْضُكُمْ) طواف (عَلى بَعْضٍ) لعمل ما يعجز عنه الآخر أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج.
ولما أعلى سبحانه البيان في هذه الآيات إلى حد يعجز الإنسان لا سيما وهي في الأحكام ، والكلام فيها يعيي أهل البيان ، وكان السامع لما جبل عليه من النسيان ، يذهل عن أن هذا هو الشأن ، في جميع القرآن ، قال مشيرا إلى عظم شأنها ، في تفريقها وبيانها : (كَذلِكَ) أي مثل هذا البيان (يُبَيِّنُ اللهُ) بما له من إحاطة العلم والقدرة (لَكُمْ) أيتها الأمة خاصة (الْآياتِ) في الأحكام وغيرها وبعلمه وحكمته (وَاللهُ) الذي
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
