لما تقدم من أن العدم كله ظلمة ، فلا عمل له يكون شيئا ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ) أي الملك الأعظم (لَهُ نُوراً) من الأنوار ، وهو قوة الإيجاد والإظهار (فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) أصلا ، لأنه سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية ، لأنه قادر على ما يريد.
ولما كان قيام الأمور ، وظهورها كل ظهور ، إنما هو بالنور ، حسا بالإيجاد ، ومعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها ، قال تعالى دالا على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض ، أي موجدهما بعلمه وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير أعمالهم ، ومن أعراه من النور هلك : (أَلَمْ تَرَ) أي تعلم يا رأس الفائزين برتبة الإحسان علما هو في ثباته كما بالمشهادة (أَنَّ اللهَ) الحائز لصفات الكمال (يُسَبِّحُ لَهُ) أي ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة (مَنْ فِي السَّماواتِ.) ولما كان مبنى السورة على شمول العلم والقدرة لم يؤكد فقال : (وَالْأَرْضِ) أي هما وكل ما فيهما بلسان حاله ، أو آلة مقاله ، وعرف أن المراد العموم بعطفه بعض ما لا يعقل ، وعبر ب «من» لأن المخبر به من وظائف العقلاء.
ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب ، قال مخصصا : (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) أي باسطات أجنحتها في جو السماء ، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله ، وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة ، وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته.
ولما كان العلم يوصف به ما هو سببه كالكتاب المصنف ونحوه ، ويشتق للشيء اسم فاعل مما لابسه كما يقال : ليله قائم ، ونهاره صائم ، (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) [المائدة : ١٣] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن ، شديدة الوضوح في صفحات كل شيء ، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة كمال ، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال : (كُلٌ) أي من المخلوقات (قَدْ عَلِمَ) أي بما كان سببا له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة بما لموجده من صفات الكمال (صَلاتَهُ) أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته إليه (وَتَسْبِيحَهُ) أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص ، وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها ، نيابة عن بيان مقالها ، هذا بقيامه صامتا جامدا ، وهذا بنموه مهتزا رابيا ، إلجاء وقهرا ، وهذا بحركته بالإرادة ، وقصده وجوه منافعه ، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته ، وهذا بنطقه وعقله ، ونباهته وفضله ، مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
