مرة ، على أنه جمع فتن أو فتنة ، على ترك الاعتداد بالتاء ، ويجوز أن يكون مصدرا كالشكور ، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، ثم قتله القبطي ، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفا يترقب ، ثم إيجار نفسه عشر سنين ، ثم إضلاله الطريق ، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة (فَلَبِثْتَ سِنِينَ) أي كثيرة (فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) مقيما عند نبينا شعيب عليهالسلام يربيك بآدابه ، وصاهرته على ابنته (ثُمَّ جِئْتَ) أي الآن (عَلى قَدَرٍ) أي وقت قدّرته في الأزل لتكليمي لك ، وهو بلوغ الأشد والاستواء ، وإرسالك إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني اسرائيل خوفا منه ، فجئت غير مستقدم ولا مستأخر (يا مُوسى * وَاصْطَنَعْتُكَ) أي ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربي على طريقة من الطرائق (لِنَفْسِي) أي لتفعل من مرضاتي في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من يصنع للنفس من غير مشارك ، فهو تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم.
فلما تمهد ذلك كله بعد علم نتيجته ، أعادها في قوله : (اذْهَبْ أَنْتَ) كما تقدم أمري لك به (وَأَخُوكَ) كما سألت (بِآياتِي) التي أريتك وغيرها مما أظهره على يديك (وَلا تَنِيا) أي تفترا وتضعفا (فِي ذِكْرِي) الذي تقدم أنك جعلته غاية دعائك ، بل لتكن ـ مع كونه ظرفا محيطا بجميع أمرك ـ في غاية الاجتهاد فيه وإحضار القلب له ، وليكن أكثر ما يكون عند لقاء فرعون أن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه ، فإن ذلك أعون شيء على المراد ، ثم بين المذهوب إليه بقوله ، مؤكدا لنفس الذهاب لأنه لشدة الخطر لا يكاد طبع البشر يتحقق جزم الأمر به فقال : (اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ) ثم علل الإرسال إليه بقوله ، مؤكدا لما مضى ، ولزيادة التعجيب من قلة عقله ، فكيف بمن تبعه (إِنَّهُ طَغى) ثم أمرهما بما ينبغي لكل آمر بالمعروف من الأخذ بالأحسن فالأحسن والأسهل فالأسهل ، فقال مسببا عن الانتهاء إليه ومعقبا : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً) لئلا يبقى له حجة ، ولا يقبل له معذرة (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ) ما مر له من تطوير الله له في أطوار مختلفة ، وحمله فيما يكره على ما لم يقدر على الخلاص منه بحيلة ، فيعلم بذلك أن الله ربه ، وأنه قادر على ما يريد منه ، فيرجع عن غيّه فيؤمن (أَوْ يَخْشى) أي أو يصل إلى حال من يخاف عاقبة قولكما لتوهم الصدق فيكون قولكما تذكرة له فيرسل معكما بني إسرائيل ، ومعنى الترجي أن يكون حاله حال من يرجى منه ذلك ، لأنها من ثمرة اللين في الدعاء ، جرى الكلام في هذا وأمثاله على ما يتعارفه العباد في محاوراتهم ، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون ، فالمراد : اذهبا أنتما على رجائكما
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
