المسارعة إلى وضعه من غير تمهل لشيء أصلا ، إشارة إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان ، والتعريف لأنه نوع من الصناديق أشد الناس معرفة به بنو إسرائيل (فَاقْذِفِيهِ) أي موسى عليهالسلام عقب ذلك بتابوته ، أو التابوت الذي فيه موسى عليهالسلام (فِي الْيَمِ) أي البحر وهو النيل.
ولما كانت سلامته في البحر من العجائب ، لتعرضه للغرق بقلب الريح للتابوت ، أو بكسره في بعض الجدر أو غيرها ، أو بجريه مستقيما مع أقوى جرية من الماء إلى البحر الملح وغير ذلك من الآفات ، أشار إلى تحتم تنجيته بلام الأمر عبارة عن معنى الخبر في قوله ، جاعلا البحر كأنه ذو تمييز ليطيع الأمر : (فَلْيُلْقِهِ) أي التابوت الذي فيه موسى عليهالسلام أو موسى بتابوته (الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) أي شاطىء النيل ، سمي بذلك لأن الماء يسحله ، أي ينشره إلى جانب البيت الذي الفعل كله هربا من شر صاحبه ، وهو فرعون ، وهو المراد بقوله : (يَأْخُذْهُ) جوابا للأمر ، أي موسى (عَدُوٌّ لِي) ونبه على محل العجب بإعادة لفظ العدو في قوله : (وَعَدُوٌّ لَهُ) فإنه ما عادى بني إسرائيل بالتذبيح إلا من أجله (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً) أي عظيمة ؛ ثم زاد الأمر في تعظيمها إيضاحا بقوله : (مِنِّي) أي ليحبك كل من رآك لما جبلتك عليه من الخلال الحميدة ، والشيم السديدة ، لتكون أهلا لما أريدك له (وَلِتُصْنَعَ) أي تربى بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم لك لا ينفك عن الاعتناء بمصالحك عناية شديدة (عَلى عَيْنِي) أي مستعليا على حافظيك غير مستخفى في تربيتك من أحد ولا مخوف عليك منه ، وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء بعينه لا يغيب عنها ، فكان كل ما أردته ، فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك المراضع ، فلما لم تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب ، كل ذلك إمضاء لأمري وإيقافا لأمره به نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب ، ثم ذكر ظرف الصنع فقال : (إِذْ) أي حين (تَمْشِي أُخْتُكَ) أي في الموضع الذي وضعوك به لينظروا لك مرضعة (فَتَقُولُ) بعد إذ رأتك ، لآل فرعون : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ) أي يقوم بمصالحه من الرضاع والخدمة ، ناصحا له ، فقالوا : نعم! فجاءت بأمك فقبلت ثديها (فَرَجَعْناكَ) أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك (إِلى أُمِّكَ) حين دلتهم عليها (كَيْ تَقَرَّ) أي تبرد وتسكن (عَيْنُها) وتربيك آمنة عليك غير خائفة ، ظاهرة غير مستخفية (وَلا تَحْزَنَ) بفراقك أو بعدم تربيتها لك وبذلها الجهد في نفعك (وَقَتَلْتَ نَفْساً) أي بعد أن صرت رجلا من القبط دفعا عن رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك (فَنَجَّيْناكَ) بما لنا من العظمة (مِنَ الْغَمِ) الذي كان قد نالك بقتله خوفا من جريرته ، بأن أخرجناك مهاجرا لديارهم نحو مدين (وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) أي خلصناك من محنة بعد محنة مرة بعد
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
