زعموهم شركاء (لَهُ) أي الخلق ، فهم في هذا أمثالكم (وَإِنْ) أي وأبلغ من هذا أنهم عاجزون عن مقاومة الذباب فإنه إن (يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ) أي الذي تقدم أنه لا قدرة لهم على خلقه وهو في غاية الحقارة (شَيْئاً) من الأشياء جل أو قل مما تطلونهم به من الطيب أو تضعونه بين أيديهم من الأكل أو غيره (لا يَسْتَنْقِذُوهُ) أي يوجدوا خلاصه أو يطلبوه (مِنْهُ) فهم في هذا أحقر منكم ، وجهة التمثيل به في الاستلاب الوقاحة ، ولهذا يجوز عند الإبلاغ في الذب ، فلو كانت وقاحته في الأسد لم ينج منه أحد ، ولكن اقتضت الحكمة أن تصحب قوة الأسد النفرة ، ووقاحة الذباب الضعف ، وهو واحد لا جمع ، ففي الجمع بين العباب والمحكم أن ابن عبيدة قال : إنه الصواب ، ثم قال : وفي «كتاب ما تلحن فيه العامة» لأبي عثمان المازني : ويقال : هذا ذباب واحد ، وثلاثة أذّبة ، لأقل العدد ولأكثره ذباب ، وقول الناس : ذبابة ـ خطأ ، فلا تقله ـ. ولما كان هذا ربما أفهم قوة الذباب ، عرف أن المقصود غير ذلك بقوله ، فذلكة للكلام من أوله : (ضَعُفَ الطَّالِبُ) أي للاستنقاذ من الذباب ، وهو الأصنام وعابدوها (وَالْمَطْلُوبُ) أي الذباب والأصنام ، اجتمعوا في الضعف وإن كان الأصنام أضعف بدرجات.
ولما أنتج هذا جهلهم بالله ، عبر عنه بقوله : (ما قَدَرُوا اللهَ) أي الذي له الكمال كله (حَقَّ قَدْرِهِ) في وصفهم بصفته غيره كائنا من كان ، فكيف وهو أحقر الأشياء. ولما كان كأنه قيل : ما قدره؟ قال : (إِنَّ اللهَ) أي الجامع لصفات الكمال (لَقَوِيٌ) على خلق كل ممكن (عَزِيزٌ) لا يغلبه شيء ، وهو يغلب كل شيء بخلاف أصنامهم وغيرها.
ولما نصب الدليل على أن ما دعوه لا يصلح أن يكون شيء منه إلها بعد أن أخبر أنه لم ينزل إليهم حجة بعبادتهم لهم ، وختم بما له سبحانه من وصفي القوة والعزة بعد أن أثبت أن له الملك كله ، تلا ذلك بدليله الذي تقتضيه سعة الملك وقوة السلطان من إنزال الحجج على ألسنة الرسل بأوامره ونواهيه الموجب لإخلاص العبادة له المقتضي لتعذيب تاركها ، فقال : (اللهُ) أي الملك الأعلى (يَصْطَفِي) أي يختار ويخلص (مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً) إلى ما ينبغي الإرسال فيه من العذاب والرحمة ، فلا يقدر أحد على صدهم عما أرسلوا له ، ولا شك أن قوة الرسول من قوة المرسل (وَمِنَ النَّاسِ) أيضا رسلا يأتون عن الله بما يشرعونه لعباده ، لتقوم عليهم بذلك حجة النقل ، مضمومة إلى سلطان العقل ، فمن عاداهم خسر وإن طال استدراجه. ولما كان ذلك لا يكون إلا بالعلم ، قال : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الجلال والجمال (سَمِيعٌ) أي لما يمكن أن يسمع من الرسول وغيره (بَصِيرٌ) أي مبصر عالم بكل ما يمكن عقلا أن يبصر ويعلم ، بخلاف أصنامهم.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
