الكثير أيضا فقال : (السَّماءِ وَالْأَرْضِ) مما يتفق منهم ومن غيرهم من جميع الخلائق الحيوانات وغيرها.
ولما كان الإنسان محل النسيان ، لا يحفظ الأمور إلا بالكتاب ، خاطبه بما يعرف ، مع ما فيه من عجيب القدرة ، فقال : (إِنَّ ذلِكَ) أي الأمر العظيم (فِي كِتابٍ) كتب فيه كل شيء حكم بوقوعه قبل وقوعه وكتب جزاءه ؛ ولما كان جمع ذلك في كتاب أمرا بالنسبة إلى الإنسان متعذرا ، أتبعه التعريف بسهولته عنده فقال : (إِنَّ ذلِكَ) أي علم ذلك الأمر العظيم بلا كتاب ، وجمعه في كتاب قبل كونه وبعده (عَلَى اللهِ) أي الذي لا حد لعظمته ، وحده (يَسِيرٌ).
ولما أخبر سبحانه أن الشك لا يزال ظرفا لهم ـ لما يلقى الشيطان من شبهه في قلوبهم القابلة لذلك بما لها من المرض وما فيها من الفساد إلى إتيان الساعة ، وعقب ذلك بما ذكر من الحكم المفصلة ، والأحكام المشرفة المفضلة ، إلى أن ختم بأنه وحده الحكم في الساعة ، مرهبا من تمام علمه وشمول قدرته ، قال معجبا ممن لا ينفعه الموعظة ولا يجوز الواجب وهو يوجب المحال ، عاطفا على (وَلا يَزالُ) : (وَيَعْبُدُونَ) أي على سبيل التجديد والاستمرار (مِنْ دُونِ اللهِ) أي من أدنى رتبة من رتب الذي قامت جميع الدلائل على احتوائه على جميع صفات الكمال ، وتنزهه عن شوائب النقص (ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) أي حجة واحدة من الحجج.
ولما كان قد يتوهم أن عدم إنزال السلطان لا ينفيه ، قال مزيلا لهذا الوهم : (وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ) أي أصلا (وَما) أي والحال أنهم ما لهم ، ولكنه أظهر إشارة إلى الوصف الذي استحقوا به الهلاك فقال : (لِلظَّالِمِينَ) أي الذين وضعوا التعبد في غير موضعه بارتكابهم لهذا الأمر العظيم الخطر ؛ وأكد النفي واستغرق المنفي بإثبات الجار فقال : (مِنْ نَصِيرٍ) أي ينصرهم من الله ، لا مما أشركوه به ولا من غيره ، لا في مدافعة عنهم ولا في إثبات حجة لمذاهبهم ، فنفى أن يكون أحد يمكنه أن يأتي بنصرة تبلغ القصد بأن يغلب المنصور عليه ، وأما مطلق نصر لا يفيد بما تقدم من شبه الشيطان فلا.
ولما ذكر اعترافهم بما لا يعرف بنقل ولا عقل ، ذكر إنكارهم لما لا يصح أن ينكر فقال : (وَإِذا تُتْلى) أي على سبيل التجديد والمتابعة من أيّ تال كان (عَلَيْهِمْ آياتُنا) أي المسموعة على ما لها من العظمة والعلو ، حال كونها (بَيِّناتٍ) لا خفاء بها عند من له بصيرة في شيء مما دعت إليه من الأصول والفروع (تَعْرِفُ) بالفراسة في وجوههم ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه أبدل الضمير بظاهر يدل على عنادهم فقال : (فِي وُجُوهِ الَّذِينَ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
