أي لعدم الضرر بعماها المستنير البصيرة (وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ) وأكد المعنى بقوله : (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) لوجود الضرر بعماها المبطل لمنفعة صاحبها وإن كان البصر موجودا ، فاحتيج في تصوير عماها إلى زيادة تعيين لما تعورف من أن العمى إنما هو للبصر ، إعلاما بأن القلوب ما ذكرت غلطا ، بل عمدا ، تنبيها على أن عمى البصر عدم بالنسبة إلى عماها ، والمراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية مودعة في اللحم الصنوبري المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، لديه تعلق ... عقول الأكثر في أنه يضاهي تعلق العرض بالجسم ، أو الصفة بالموصوف ، أو المتمكن بمكان وهذه اللطيفة على حقيقة الإنسان سميت قلبا للمجاورة والتعلق ، وهي كالفارس والبدن كله كالفرس ، وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس ، بل لا نسبة لأحد الضررين بالآخر ، فلذلك نفى عمى الأبصار أصلا ورأسا ، فلا شيء ضرره بالنسبة إلى عمى البصائر.
ولما قدم سبحانه أن الضال المضل له خزي في الدنيا ، وقدم أنه يدفع عن الذين آمنوا وينصرهم ، وساق الدليل الشهودي على ذلك لمن كان جامد الفهم ، مقيدا بالوهم ، بالقرى الظالمة التي أنجز هلاكها ، وختم بإنكار عماهم عن ظاهر الآيات البينات ، قال عاطفا على (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ) معجبا منهم وموضحا لعماهم : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ) ويجوز وهو أحسن أن تكون هذه الجملة حالا من فاعل (يَسِيرُوا) فيكون مما أنكر عليهم (بِالْعَذابِ) الذي تتوعدهم به تكذيبا واستهزاء ، (وَ) الحال أنه (لَنْ يُخْلِفَ اللهُ) الذي لا كفوء له (وَعْدَهُ) فلا بد من وقوعه لكن الطويل عندهم من الزمن قصير عنده ، وقد ينجز الوعد وقد يؤخره بعد الوعيد إلى حين يوم أو أقل أو أكثر ، لأن قضاءه سبق أنه لا يكون إلا فيه لحكم يظهرها لمن يشاء من عباده (وَإِنَّ يَوْماً) أي واحدا (عِنْدَ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بتأخير العذاب عنهم إكراما لك (كَأَلْفِ سَنَةٍ) ولما كان المقصود هنا التطويل ، فعبر بالسنة تنبيها عليه ؛ ولما كانت السنون قد تختلف قال : (مِمَّا تَعُدُّونَ) لأن أيامكم تناسب أوهامكم ، وأزمانكم تناسب شأنكم ، وهو حليم لا يستطيل الزمان ، وقادر لا يخاف الفوت.
(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢))
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
