قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) كهؤلاء المذكورين وغيرهم ، وفي قراءة الجماعة غير أبي عمرو بالنون إظهارا للعظمة (وَهِيَ) أي والحال أنها (ظالِمَةٌ فَهِيَ) أي فتسبب عن إهلاكها أنها (خاوِيَةٌ) أي متهدمة ساقطة أي جدرانها (عَلى عُرُوشِها) أي سقوفها ، بأن تقصفت الأخشاب ولا من كثرة الأمطار ، وغير ذلك من الأسرار ، فسقطت ثم سقطت عليها الجدران. أو المعنى : خالية ، قد ذهبت أرواحها بذهاب سكانها على بقاء سقوفها ، ليست محتاجة إلى غير السكان (وَ) كم من (بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) من أهلها مع بقاء بنائها ، وفوران مائها (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) أي عال متقن مجصص لأنه لا يشيد ـ أي يجصص ـ إلا الذي يقصد رفعه ، فحلت القصور من أربابها ، وأقفرت موحشة من جميع أصحابها ، بعد كثرة التضام في نواديها ، وعطلت الآبار من ورّادها بعد الازدحام بين رائحها وغاديها ، دانية ونائية ، حاضرة وبادية ؛ ولما كان خراب المشيد يوهى من أركانه ، ويخلق من جدرانه ، لم يحسن التشديد في وصف القصر ، كما حسن في وصف البئر.
ولما كان هذا واعظا لمن له استبصار ، وعاطفا له إلى العزيز الغفار ، تسبب عنه الإنكار عليهم في عدم الاعتبار ، فعد أسفارهم ـ التي كانوا يرون فيها هذه القرى على الوجه الذي أخبر به سبحانه لما كانت على غير ذلك الوجه ـ عدما ، فقال تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي وهم بصراء ينظرون بأعينهم ما يمرون عليه ، من الآيات المرئية من القرى الظالمة المهلكة وغيرها ، وقرينة الحث على السير دل على البصر.
ولما كان الجواب منصوبا ، علم أنه منفي لأنه مسبب عن همزة الإنكار التي معناها النفي ، وقد دخلت على نفي السير فنفته ، فأثبتت السير عريا عما أفاده الجواب ، وهو قوله (فَتَكُونَ) أي فيتسبب عن سيرهم أن تكون (لَهُمْ قُلُوبٌ) واعية (يَعْقِلُونَ بِها) ما رأوه بأبصارهم في الآيات المرئيات من الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته على الإحياء والإماتة متى أراد فيعتبروا به ، فانتفاء القلوب الموصوفة متوقف على نفي السير الذي هو إثبات السير ، وكذا الكلام في الآذان من قوله (أَوْ) أي أو تكون لهم إن كانوا عمي الأبصار كما دل عليه جعل هذا قسيما (آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) الآيات المسموعة المترجمة عن تلك القرى وغيرها سواء ساروا أو لم يسيروا ، إن كانت بصائرهم غير نافذة الفهم بمجرد الرؤية فيتدبروها بقلوبهم ، فإنه لا يضرهم فقد الأبصار عند وجود البصائر.
ولما كان الضار للإنسان إنما هو عمى البصائر دون الأبصار ، نفى العمى أصلا عن الأبصار لعدم ضرره مع إنارة البصائر ، وخصه بالبصائر لوجود الضرر به ولو وجدت الأبصار ، مسببا عما مضى مع ما أرشد إليه من التقدير ، فقال : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ)
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
