ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر رعيته فقال : (وَأَهُشُ) أي أخبط الورق ، قال ابن كثير : قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك : والهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود ولا يخبط فهذا الهش ، قال : وكذا قال ميمون بن مهران ، وقال أبو حيان : والأصل في هذه المادة الرخاوة. يقال : رجل هش. (بِها عَلى غَنَمِي).
ولما كان أكمل أهل ذلك الزمان ، خاف التطويل على الملك فقطع على نفسه ما هو فيه من لذة المخاطبة كما قيل : اجلس على البساط وإياك والانبساط ، وطمعا في سماع كلامه سبحانه وتعالى ، فقال مجملا : (وَلِيَ فِيها مَآرِبُ) أي حوائج ومنافع يفهمها الألبّاء. ولما كان المحدث عنه لا يعقل ، وأخبر عنه بجمع كثرة ، كان الأنسب معاملته معاملة الواحدة المؤنثة فقال : (أُخْرى) تاركا للتفصيل ، فكأنه قيل : فماذا قيل له؟ فقيل : (قالَ أَلْقِها) أي العصا ، وأنسه بقوله سبحانه وتعالى : (يا مُوسى * فَأَلْقاها) أي فتسبب عن هذا الأمر المطاع أنه ألقاها ولم يتلعثم (فَإِذا هِيَ) أي في الحال ظاهرا وباطنا (حَيَّةٌ) عظيمة جدا يطلق عليها لعظمها بنهاية أمرها اسم الثعبان ، والحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير (تَسْعى) سعيا حفيفا يطلق عليها لأجله في أول أمرها اسم الجان ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس ، وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا ـ انتهى. فهي في عظم الثعبان وسرعة الجان.
ولما كان ذلك أمرا مخيفا ، استشرف السامع إلى ما يكون من حاله عند مثل هذا بعد ذلك ، فاستأنف إخباره بقوله : (قالَ) أي الله تبارك وتعالى على ما يكون منها عند فرعون لأجل التدريب : (خُذْها وَلا تَخَفْ) مشيرا إلى أنه خاف منها على عادة الطبع البشريّ ؛ ثم علل له النهي عن الخوف بقوله : (سَنُعِيدُها) أي بعظمتنا عند أخذك لها بوعد لا خلف فيه (سِيرَتَهَا) أي طريقتها (الْأُولى) من كونها عصا ، فهذه آية بينة على أن الذي يخاطبك هو ربك الذي له الأسماء الحسنى ، فنزلت عليه السكينة ، وبلغ من طمأنينته أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيتها ، فإذا هي عصاه ، ويده بين شعبتيها.
ولما أراه آية في بعض الآفاق ، أراد أن يريه آية في نفسه فقال : (وَاضْمُمْ يَدَكَ) من جيبك الذي يخرج منه عنقك (إِلى جَناحِكَ) أي جنبك تحت العضد تنضم على ما هي عليه من لونها وما بها من الحريق ، وأخرجها (تَخْرُجْ) فالآية من باب الاحتباك ، والجناج : اليد ، والعضد ، والإبط ، والجانب ـ قاله في القاموس ، فلا يعارض هذا ما في القصص لأنه أطلق الجناح هناك على اليد وهي أحق به ، وهنا على الجنب الذي هو موضعها تسمية للمحل باسم الحال (بَيْضاءَ) بياضا كالشمس تتعجب منه.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
