ولما كان البرص أبغض شيء إلى العرب ، قال نافيا له ولغيره ، ولم يسمه باسمه لأن أسماعهم له مجاجة ، ولأن نفي الأعم من الشيء أبلغ من نفيه بخصوصه : (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي مرض لا برص ولا غيره ، حال كونها (آيَةً أُخْرى) افعل ما أمرتك به من إلقاء العصا وضم اليد ، أو فعلنا ذلك من إحالة العصا ولون اليد من مناداتك لمناجاتك (لِنُرِيَكَ) في جميع أيام نبوتك (مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى) ليثبت بذلك حنانك ، ويزداد إتقانك ، فكأنه قيل : لماذا يفعل بي هذا؟ فقيل : لنرسلك إلى بعض المهمات (اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ) أي لترده عن عتوه : ثم علل الإرسال إليه بقوله ، مؤكدا لأن طغيان أحد بالنسبة إلى شيء مما للملك الأعلى مما يستبعد : (إِنَّهُ طَغى) أي تجاوز حده من العبودية فادعى الربوبية ، وأشار إلى ما حصل له من الضيق من ذلك بما عرف من أنه أمر عظيم ، وخطب جسيم ، يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح وقلب ضابط كما صرح به في سورة الشعراء ـ بقوله : (قالَ رَبِّ اشْرَحْ) أي وسع (لِي) ولما أبهم المشروح ليكون الكلام أوكد بتكرير المعنى في طريقي الإجمال والتفصيل ، قال رافعا لذلك الإبهام : (صَدْرِي) للإقدام على ذلك ، وإلى استصعابه بقوله : (وَيَسِّرْ لِي) ثم بين ذلك الإبهام بقوله : (أَمْرِي) وإلى استعجازه نفسه عن الإبانة لهم عن المراد بقوله : (وَاحْلُلْ) ولما كان المعنى هنا ما لا يحتمل غيره إذ إنه لم يسأل بقاءه في غير حال الدعوة ، عدل عن طريق الكلام الماضي فقال : (عُقْدَةً مِنْ لِسانِي) أي مما فيه من الحبسة عن الإتيان بجميع المقاصد من الجمرة التي وضعها في فيه وهو عند فرعون ، كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ؛ ولما كان سؤاله هذا إنما هو لله ، ولذلك اقتصر على قدر الحاجة فلم يطلب زوال الحبسة كلها ، أجابه بقوله : (يَفْقَهُوا قَوْلِي) وإلى اعتقاد صعوبة المقام مع ذلك كله بطلب التأييد بنصير يهمه أمره بقوله : (وَاجْعَلْ لِي) أي مما تخصني به ؛ وبين اهتمامه بالإعانة كما يقتضيه الحال فقدم قوله : (وَزِيراً) أي ملجأ يحمل عني بعض الثقل ويعاونني (مِنْ أَهْلِي) لأني به أوثق لكونه عليّ أشفق ، ثم أبدل منه قوله : (هارُونَ) وبينه بقوله : (أَخِي) أي لأنه أجدر أهلي بتمام مناصرتي ؛ وأجاب الدعاء في قراءة ابن عامر فقال : (اشْدُدْ) بقطع الهمزة مفتوحة (بِهِ أَزْرِي) أي قوتي وظهري (وَأَشْرِكْهُ) بضم الهمزة مسندا الفعلين إلى ضميره على أنهما مضارعان ، وقراءة الباقين بوصل الأول وفتح همزة الثاني على أنهما أمران ، مسندين إلى الله تعالى على الدعاء (فِي أَمْرِي) أي النبوة.
(كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
