عليه قوله : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) أي للنبوة (فَاسْتَمِعْ) أي أنصت ملقيا سمعك معملا قلبك للسماع (لِما) أي اخترتك للذي ، وقدم استمع اهتماما به (يُوحى) أي يقال لك مني سرا مستورا عن غيرك سماعه وإن كان في غاية الجهر ، كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ثالث بما يجعل له من الخلوة إعلاما بعلو قدره وفخامة أمره ؛ ثم فسر الموحى بأول الواجبات وهو معرفة الله تعالى ؛ فقال مؤكدا لعظم الخبر وخروجه عن العادات : (إِنَّنِي أَنَا اللهُ) فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ الأنسب للملطوف به ـ بعد التعرف إليه بالإكرام ـ الإقامة في مقام الجلال والجمال.
ولما كان هذا الاسم العلم جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت عن أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى ، حسن تعقيبه بقوله : (لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) ولما تسبب عن ذلك وجوب إفراده بالعبادة ، قال : (فَاعْبُدْنِي) أي وحدي : ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة ، وآية الخضوع والمراقبة وروح الدين فقال : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ) أي التي أضاعها خلوف السوء ، إشارة إلى أنها المقصود بالذات من الدين ، لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة على المراقبة ، بما فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء ، وذلك معنى (لِذِكْرِي) وذلك أنسب الأشياء لمقام الجلال ، بل هي الجامعة لمظهري الجمال والجلال ؛ ثم علل الأمر بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى ، بل لا بد من إمانتهم ، ثم بعثهم لإظهار العظمة ونصب موازين العدل ، فقال مؤكدا لإنكارهم معبرا بما يدل على سهولة ذلك عليه جدا : (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) أي لا ريب في إتيانها ، فهي أعظم باعث على الطاعة.
ولما كان بيان حقيقة الشيء مع إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجبا في الغالب لنسيانه والإعراض عنه ، فكان غير بعيد من إخفائه أصلا ورأسا ، قال مشيرا إلى هذا المعنى : (أَكادُ أُخْفِيها) أي أقرب من أن أجدد إخفاءها ، فلذا يكذب بها الكافر بلسانه والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها والمؤمن لا يستعد غفلة عنها ، فراقبني فإن الأمر يكون بغتة ، ما من لحظة إلا وهي صالحة للترقب ؛ ثم بين سبب الإتيان بها بقوله : (لِتُجْزى) أي بأيسر أمر وأنفذه (كُلُّ نَفْسٍ) كائنة من كانت (بِما تَسْعى) أي توجد من السعي في كل وقت كما يفعل من أمر ناسا بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما يستحق.
(فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
