وحكى لنا الشيخ عبد العزيز بن الأطرش ، وهو ناشد حلقة ذكره ، أنا كنا مع الشيخ بناحية بيرة الفرات ، وكان معي رجل يقال له الحاج حسين والله أعلم ، قال : ذهبت معه إلى ماء هناك للاغتسال ، فنزل المذكور إلى النهر فرآه عميقا ولا قدرة له على السباحة فيه ، فغط وأخرج رأسه وصرخ : إني هلكت ، وغط الثانية وأخرج رأسه لا يستطيع الكلام ، وأنا عاجز عن السباحة وما عندي أحد وثيابه بالقرب مني ، فهربت خوفا من الحكام وجئت إلى الشيخ ، فقال لي : أين الحاج حسين؟ فقلت له : يا سيدي لا أدري ، فكرر الكلام ثانيا وثالثا وقال : أين هو؟ فقلت : والله يا سيدي لا أعلم ، قال : يا مجنون ، الشيخ الذي لا يحمي مريده لا يكون شيخا. وبعد زمان طويل وإذا بالحاج حسين محمول ، انتفخ من الماء ، وفيه روح ، فعلقوه وجعلوا رأسه تحت وأقدامه فوق حتى نزل الماء من فيه وحصل الشفاء ، فسألته قال : كنت قطعت بالموت ، فرأيت يدا تدافعني إلى الساحل حتى خرجت سالما. هكذا أخبر والعهدة عليه.
وله في كل سنة أيام الشتاء خلوة عامة يجتمع إليها المريدون فيصومون ثلاثة أيام ويأكلون عند المساء مقدار أوقيتين من الحريرة ورغيفا من الخبز أكثر من أوقية ، ولا يشربون الماء القراح ، بل يشربون القهوة ، ويستمرون في الذكر والعبادة آناء الليل وأطراف النهار ، وأما باقي الأيام فيقومون سحرا ويتهجدون على قدر طاقتهم ، ثم يأخذون في الذكر إلى وقت الإسفار ، ثم يصلون الصبح لكون الشيخ حنفيا ، ويقرؤون الأوراد إلى ارتفاع الشمس ، ويصلون الإشراق. وهكذا يفعلون العبادات في أوقات الصلوات المفروضات.
وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وألف ، وبلغ من العمر إحدى وسبعين سنة. ا ه.
أقول : مكان الزاوية المذكورة في الترجمة في محلة البياضة أمام الجامع المعروف بالصروي ، وسميت الإخلاصية باسم من بنيت له ، ومكتوب على باب قبليتها :
|
لك الحمد يا من أرشد الخلق للهدى |
|
وسيّر في بحر التقى كل غوّاص |
|
وأرسل للشهبا الوزير محمدا |
|
فأسدى بها المعروف للعام والخاص |
|
وأنشأ فيها مسجدا دام عامرا |
|
بذكر وتوحيد مدى الزمن القاصي |
|
وأخلص في إنشائه متضرعا |
|
إلى ربه العافي عن المذنب العاصي |
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٦ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2381_elam-alnobala-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
