خيامهم ، وأوهنت ببردها عظامهم ، وأجالت خيلهم (وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) يصح أن تكون الرؤية بصرية وقلبية ، منها من البشر نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه هداه الله للإسلام ، فأتى النبي صلىاللهعليهوسلم وقال : إنه لم يعلم أحد بإسلامي ، فمرني يا رسول الله بأمرك! فقال : «إنما أنت فينا رجل واحد والحرب خدعة ، فخذل عنا مهما استطعت» فأخلف بين اليهود وبين العرب بأن قال لليهود وكانوا أصحابه : إن هؤلاء ـ يعني العرب ـ إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين. وليس حالكم كحالهم ، البلد بلدكم وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم ، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ليكونوا عندكم حتى تناجزوا الرجل ، فإنه ليس لكم بعد طاقة إذا انفرد بكم ، فقالوا : أشرت بالرأي ، فقال : فاكتموا عني ، وقال لقريش : قد علمتم صحبتي لكم وفراقي لمحمد ، وقد سمعت أمرا ما أظن أنكم تتهمونني فيه ، فقالوا : ما أنت عندنا بمتهم ، قال : فاكتموا عني ، قالوا : نفعل ، قال : إن اليهود قد ندموا على نقض ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه : إنا قد ندمنا فهل ينفعنا عندك أن نأخذ لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم ، ونكون معك على بقيتهم ، حتى تفرغ منهم لتكف عنا. وتعيد لنا الأمان ، قال : نعم ، فإن أرسلوا إليكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا ، ثم أتى غطفان فقال : إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ ، قالوا : صدقت ، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش واستكتمهم ، فأرسلت إليهم قريظة يطلبون منهم رهنا فقالوا : صدق نعيم ، وأبوا أن يدفعوا إليهم أحدا ، فقالت قريظة : صدق نعيم ، فتخاذلوا واختلفت كلمتهم ، فانكسرت شوكتهم ، وبردت حدتهم (١) ، ومنها من الملائكة جبرائيل عليهالسلام ومن أراد الله منهم ـ على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام ، والتحية والإكرام ، فكبروا في نواحي عسكرهم ، وزلزلوا بهم ، وبثوا الرعب في قلوبهم ، فماجت خيولهم ، واضمحل قالهم وقيلهم ، فكان في ذلك رحيلهم ، بعد نحو أربعين يوما أو بضع وعشرين ـ على ما قيل.
ولما أجمل سبحانه القصة على طولها في بعض هذه الآية ، فصلها فقال ذاكرا الاسم الأعظم إشارة إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به اعتناء من بذل جميع الجهد وإن كان الكل عليه سبحانه يسيرا : (وَكانَ اللهُ) الذي له جميع صفات الكمال والجلال والجمال (بِما) يعملون أي الأحزاب من التحزب والتجمع والتألب والمكر والقصد
__________________
(١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ٣ / ١٥٤ مطولا في باب قصة نعيم وخداعه للمشركين ا ه وقوله «الحرب خدعة» أخرجه البخاري ٣٠٣٠ ومسلم ١٧٣٩ وأبوا داود ٢٦٣٦ والترمذي ١٦٧٥ وابن حبان ٤٧٦٣ من حديث جابر.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
