السيىء ـ على قراءة البصري ، وأنتم أيها المسلمون من حفر الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره ـ على قراءة الباقين (بَصِيراً) بالغ الإبصار والعلم ، فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون به الأعلين ولم ينفع أهل الشرك قوتهم ، ولا أغنت عنهم كثرتهم ، ولا ضر المؤمنين قلتهم ، وجعلنا ذلك سببا لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم وأبنائهم وشفاء لأدوائهم بإراقة دمائهم ـ كما سيأتي ؛ ثم ذكرهم الشدة التي حصلت بتمالئهم فقال مبدلا من (إِذْ) الأولى : (إِذْ جاؤُكُمْ) أي الجنود المذكورون بادئا بالأقرب إليهم ، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة.
ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل ، أدخل أداة التبعيض فقال : (مِنْ فَوْقِكُمْ) يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق ، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام ، وهي بين بني قريظة وبين من في الخندق ، فصاروا فوق العيال والرجال.
ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض ، أوضحها بقوله : (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) دون أن يقول : أسفلكم ، وأفاد ذلك أيضا أن من في الأسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط ، ولم يقل «ومن تحتكم» لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل ، ولم يقل في الأول «من أعلى منكم» لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو ، وأسفل الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشا ، ومن لافّها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة.
ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف ، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضا مفخما لأمره بالغطف فقال : (وَإِذْ) أي واذكروا حين ، وأنث الفعل وما عطف عليه لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال : (زاغَتِ الْأَبْصارُ) أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب ، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليما للأدب في المخاطبة ، وكذا (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ) كناية عن شدة الرعب والخفقان ، ويجوز ـ وهو الأقرب ـ أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر ، ومنه قولهم للجبان : انتفخ منخره أي رئته (الْحَناجِرَ) جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم ، ومن هذا قول النبي صلىاللهعليهوسلم فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه «شر ما في الإنسان جبن خالع» (١) أي يخلع القلب من مكانه ، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد.
__________________
(١) أخرجه أحمد ٢ / ٣٠٢ ـ ٣٢٠ وأبو داود ٢٥١١ وابن أبي شيبة ٩ / ٩٨ وابن حبان ٣٢٥٠ والبخاري في التاريخ ٦ / ٨ ـ ٩ والبيهقي ٩ / ١٧٠ وأحمد ٢ / ٣٢٠ من حديث أبي هريرة وإسناده جيد.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
