كانت في ظلمات العدم ، وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن كانت في ظلمات الجهالة ، فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره ، وخاصة النور إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف ، وعند هذا يظهر أن النور المطلق هو الله سبحانه وأن إطلاق النور على غيره مجاز ، وكل ما سوى الله من حيث هو هو ظلمة محضة لأنه من حيث أنه ممكن عدم محض بل الأنوار إذا نظر إليها من حيث هي هي فهي ظلمات لأنها من حيث هي هي ممكنات ، والممكن من حيث هو هو معدوم ، والمعدوم مظلم ، فالنور إذا نظر من حيث هو ممكن مظلم ، فأما إذا التفت إليها من حيث أن الحق سبحانه أفاض عليها نور الوجود بهذا الاعتبار صارت أنوارا ، فثبت أنه سبحانه هو النور وأن كل ما سواه ليس بنور ، وأضاف النور إلى الخافقين في قوله (نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لأنهما مشحونتان بالأنوار العقلية والأنوار الحسية ، أما الحسية فما نشاهده في السماوات من الكواكب وغيرها ، وفي الأرض من الأشعة المنبسطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت بها الألوان المختلفة ، ولو لاها لما كان للألوان ظهور بل وجود ، وأما الأنوار العقلية فالعالم الأعلى مشحون بها وهي جواهر الملائكة ، والعالم الأدنى مشحون بها وهي القوى النباتية والحيوانية والإنسانية ، وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام العالم الأسفل كما أنه بالنور الملكي ظهر نظام العالم العلوي ، وإذا عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار البصرية الظاهرة والعقلية الباطنة ، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج ، والسراج هو الروح النبوي ، ثم إن الأنوار القدسية مقتبسة من الأنوار العلوية اقتباس السراج من النور ، وإن العلويات مقتبسة بعضها من بعض وإن بينها ترتيبا في الغايات ، ثم ترتقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول ، وذلك هو الله وحده لا شريك له ، فإذا الكل نوره ، ثم قال : قال الإمام الغزالي : قد تبين أن القوى المدركة أنوار. ومراتب القوى المدركة الإنسانية خمسة ، أحدها القوة الحساسة وهي التي تتلقى ما تورده الحواس الخمس ، وكأنها أصل الروح الحيواني إذ بها يصير الحيوان حيوانا ، وهي موجودة للصبي والرضيع ، وثانيها القوة الخيالية وهي التي تسبب ما أوردته الحواس وتحفظه مخزونا عندها لتعرضه عن القوة العقلية عند الحاجة إليه ، وثالثها القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية ، ورابعها القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفا تستنتج منه علما بالمجهول ، وخامسها القوة القدسية التي يختص بها الأنبياء وبعض الأولياء ، وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت ، وإليه أشار قوله (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) الآية ، وإذا عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات ، وهذه المراتب الخمس يمكن تشبيهها
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
