والقوة الباصرة كالخادم والقوة العاقلة كالأمير ، والأمير أشرف من الخادم ، والقوة الباصرة قد تغلط والقوة العاقلة لا تغلط ، فثبت أن الإدراك العقلي أكمل وأقوى وأشرف من الإدراك البصري ، وكل واحد من الإدراكين يقتضي الظهور الذي هو أشرف خواص النور ، فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نورا ، والإدراك العقلي قسمان : أحدهما واجب الحصول عند سلامة القوى والآلات وهي التعقلات الفطرية ، والثاني ما يكون مكتسبا ، وهي التعقلات النظرية ، ولا يكون من لوازم جوهر الإنسان لأنه حال الطفولية لم يكن عالما البتة ، فهذه الأنوار إنما حصلت بعد أن لم تكن ، فلا بد لها من سبب ، والفطرة الإنسانية قد يعتريها الزيغ فلا بد من هاد ومرشد ، ولا مرشد فوق كلام الله وأنبيائه ، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس كما يسمى نور الشمس نورا فنور القرآن يشبه نور الشمس ، ونور العقل يشبه نور العين ، وبهذا يظهر معنى قوله تعالى : (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا) [التغابن : ٨] (قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) [النساء : ٧٤] وإذا ثبت أن بيان الرسول صلىاللهعليهوسلم أقوى من نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس كما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها ، فكذا نفس النبي صلىاللهعليهوسلم تفيد الأنوار العقلية لسائر النفوس البشرية ولا تستفيد النور العقلي من شيء من النفوس البشرية ، فلذلك وصف الله الشمس بأنها سراج ، ووصف محمدا صلىاللهعليهوسلم بأنه سراج ، ثم قال : ولمراتب الأنوار في عالم الأرواح مثال ، وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة بيت ووقع على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منه إلى طشت مملوء ماء موضوع على الأرض ثم انعكس منه إلى سقف البيت ، فالنور الأعظم في الشمس التي هي المعدن ، وثانيها في القمر ، وثالثها في المرآة ، ورابعها في الماء ، وخامسها في السقف ، وكل ما كان أقرب إلى المعدن كان أقوى ، فكذا الأنوار السماوية لما كانت مترتبة لا جرم كان النور المفيد أشد إشراقا ، ثم تلك الأنوار لا تزال مترتبة حتى تنتهي إلى النور الأعظم والروح الذي هو أعظم الأرواح منزلة عند الله الذي هو المراد بقوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا) [النبأ : ٣٨] ثم نقول : إن هذه الأنوار الحسية سفلية كانت كأنوار النيران أو علوية كأنوار الشمس وكذا الأنوار العقلية سفلية كانت كأرواح الأنبياء والأولياء وعلوية كأرواح الملائكة فإنها ممكنة لذواتها والممكن لذاته لا يستحق الوجود لذاته بل وجوده من غيره ، والعدم هو الظلمة والوجود هو النور ، فكل ما سوى الله مظلم لذاته مستنير بإنارة الله تعالى ، وكذا جميع معارفها وجودها حاصل من وجود الله تعالى فإن الحق سبحانه هو الذي أظهرها بالوجود بعد أن
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
