بالأمور الخمسة التي ذكرها الله في المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت ، أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصته وجدت أنواره خارجة من ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين ، فأرفق مثال له من عالم الأجسام المشكاة ، وأما الثاني وهو الروح الخيالي فله خواص ثلاثة : الأول أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو شكل وحيز ، ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة ، والثاني أن هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق صار موازنا للمعارف العقلية ومؤديا لأنوارها ، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني العقلية كما يستدل بالشمس على الملك ، وبالقمر على الوزير ، وبختم فروج الناس وأفواههم على الأذان قبل الصبح ، والثالث أن الخيال في البداية محتاج إليه لتضبط به المعارف العقلية ولا تضطرب ، وأنت لا تجد شيئا في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات إلا الزجاجة فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ثم يحفظه من الانطفاء بالزجاج ، وأما الثالث وهو القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف الإلهية فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح ، وأما الرابع وهو القوة الفكرية فمن خاصيتها أنها تأخذ ماهية واحدة ثم تقسمها إلى قسمين كقولنا : الموجود إما واجب وإما ممكن ، ثم تجعل كل قسم قسمين ، وهكذا إلى أن تنتهي إلى ما لا يقبل القسمة ، ثم تنتهي بالآخرة إلى نتائج هي ثمرتها ، فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة ، وإذا كانت ثمارها مادة لتزايد أنوار المعارف وبيانها فبالحري أن لا تمثل بشجرة السفرجل والتفاح بل بشجرة الزيتون خاصة لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصابيح ، وله من بين سائر الأدهان خاصة زيادة الإشراق وقلة الدخان ، وإذا كانت الماشية التي يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة فالتي لا نهاية لمنفعتها وثمرتها أولى أن تسمى شجرة مباركة ، وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ، فبالحري أن لا تكون شرقية ولا غربية ، وأما الخامس وهو القوة القدسية النبوية فهي في نهاية الشرف والصفاء ، فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما تحتاج إلى تعليم وإلى ما لا تحتاج إليه ، ولا بد من وجود هذا القسم دفعا للتسلسل فبالحري أن يعبر عن هذا القسم لكماله وصفاته بأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار ، فهذا المثال موافق لهذه الأقسام ، وهذه الأنوار مرتبة بعضها على بعض ، فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال ، والخيال كالمقدمة للعقل ـ انتهى كلام الغزالي رحمهالله تعالى عن نقل الأصفهاني في تفسيره عنه ـ والله أعلم.
ولما كان المعنى بناء على ما تقدم من صفة الروح الإلهي : فهديناك به ، عطف
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
