ولا شك أن الشهادة له نفسه صلىاللهعليهوسلم بالرسالة ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك ، وكذا الملائكة واليوم الآخر فيصح نفي المنفي لفواته بفوات جزئه.
ولما كان المعنى : ولكن نحن أدريناك بذلك كله ، عبر عنه إعلاما بأن الخلق كانوا في ظلام لكونهم كانوا يفعلون بوضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في الظلام بقوله : (وَلكِنْ جَعَلْناهُ) أي الروح الذي هو الكتاب المنزل منا إليك المعلم بالإيمان وكل عرفان بما لنا من العظمة (نُوراً نَهْدِي) على عظمتنا (بِهِ مَنْ نَشاءُ) خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا (مِنْ عِبادِنا) بخلق الهداية في قلبه ، قال ابن برجان : فمن رزقه الفرقان الذي يفرق به بين المتشابهات والنور الذي يمشي به في الظلمات ، فذلك الذي أبصر شعاع النور وشاهد الضياء المبثوث في العالم المفطور ، وعلى قدر إقباله عليه والتفرغ عن كل شاغل عنه يكون قبوله له وهدايته به ، وقال الأصبهاني في سورة النور : هو الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار مثلا على الأرض والجدار وغيرهما ، يقال : استنارت الأرض ، وقال حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه : ومن المعلوم أن هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف لأن المرئيات تصير بسببها ظاهرة ، ثم من المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه المرئيات على كونها مستنيرة فكذلك يتوقف على وجود اليعن الباصرة وهي المدركة وبها الإدراك ، فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق بالنور المبصر فلا جرم أطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش : إن نور عينيه ضعيف ، وفي الأعمى أنه فقد نور البصر ، إذا ثبت هذا فنقول : للإنسان بصر وبصيرة ، فالبصر هو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان ، والبصيرة هي القوة العاقلة ، وكل واحد من الإدراكين يقتضي نورا ، ونور العقل أقوى وأشد من نور العين ، لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا إدراكها ولا آلاتها ، والقوة العاقلة تدرك نفهسا وإدراكها وآلاتها فنور العقل أكمل من نور البصر ، والقوة العاقلة تدرك الكليات والقوة الباصرة لا تدركها ، وإدراك الكليات أشرف لأنه لا يتغير بخلاف الجزئيات ، وإدراك العقل منتج وإدراك الجزئي غير منتج ، والقوة الباصرة لا تدرك إلا السطح الظاهر من الجسم واللون القائم بذلك السطح بشرط الضوء ، فإذا أدركت الإنسان لم تدرك منه إلا السطح الظاهر من جسمه واللون القائم به ، والقوة العاقلة تدرك ظاهر الأشياء وباطنها فان الباطن والظاهر بالنسبة إليها على السواء ، فكانت القوة العاقلة نورا بالنسبة إلى الظاهر والباطن ، والقوة الباصرة ظلمة بالنسبة إلى الباطن ، ومدرك القوة العاقلة هو الله وصفاته وأفعاله ، ومدرك القوة هو الألوان والأشكال فيكون نسبة شرف القوة العاقلة إلى شرف القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله إلى شرف الألوان والأشكال ،
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
