(فَما لَهُ) بسبب إضلال من له جميع صفات الجلال والإكرام ، وأعرق في النفي بقوله : (مِنْ سَبِيلٍ) أي تنجية من الضلال ولا مما تسبب عنه من العذب. ولما كان هذا ، أنتج قطعا قوله : (اسْتَجِيبُوا) أي اطلبوا الإجابة وأوجدوها ، ولفت القول إلى الوصف الإحساني تذكيرا بما يحث على الوفاق ، ويخجل من الخلاف والشقاق ، فقال : (لِرَبِّكُمْ) الذي لم تروا إحسانا إلا وهو منه فيما دعاكم إليه برسوله صلىاللهعليهوسلم من الوفاء بعهده في أمره ونهيه ، ولا تكونوا ممن ترك ذلك فتكونوا ممن علم أنه أضله فانسد عليه السبيل.
ولما كان الخوف من الفوت موجبا للمبادرة ، قال مشيرا بالجار إلى أنه يعتد بأدنى خير يكون في أدنى زمن يتصل بالموت : (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) أي يكون فيه ما لا يمكن معه فلاح ؛ ثم وصفه بقوله لافتا إلى الاسم الأعظم الجامع لأوصاف الإحسان والإنعام على المطيعين والقهر والانتقام من العاصين : (لا مَرَدَّ) أي لا رد ولا موضع رد ولا زمان رد (لَهُ) كائن (مِنَ اللهِ) أي الذي له جميع العظمة وإذا لم يكن له مرد منه لم يكن له مرد من غيره ، ومتى عدم ذاك أنتج قوله : (ما لَكُمْ) وأعرق في النفي بقوله : (مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ) أي مكان تلجؤون إليه في ذلك اليوم وحصن تتحصنون فيه من شيء تكرهونه ، وزاد في التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه إبلاغا في التحذير فقال : (وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) أي من إنكار يمكنكم به من النجاة لأن الحفظة يشهدون عليكم فإن صدقتموهم وإلا شهدت عليكم أعضاؤكم وجلودكم ، ولا لكم من أحد ينكر شيئا مما تتجاوزون به ليخلصكم منه.
ولما أنهى ما قدمه في قوله (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ) نهايته ، ودل عليه وعلى كل ما قادته الحكمة في حيزه حتى لم يبق لأحد شبهة في شيء من الأشياء ، كان ذلك سببا لتهديدهم على الإعراض عنه وتسلية رسولهم صلىاللهعليهوسلم فقال معرضا عن خطابهم إيذانا بشديد الغضب : (فَإِنْ أَعْرَضُوا) أي عن إجابة هذا الدعاء الذي وجبت إجابته والشرع الذي وضحت وصحت طريقته بما تأيد به من الحجج ، ولفت القول إلى مظهر العظمة دفعا لما قد يوهم الإرسال من الحاجة فقال : (فَما أَرْسَلْناكَ) مع ما لنا من العظمة (عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) أي نقهرهم على امتثال ما أرسلناك به. ولما كان التقدير : فأعرض عن غير إبلاغهم لأنا إنما أرسلناك مبلغا ، وضع موضعه : (إِنْ) أي ما (عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) لما أرسلناك به ، وأما الهداية والإضلال فإلينا.
ولما ضمن لهذه الآية ما أرسله له ، أتبعه ما جبل عليه الإنسان بيانا لأنه صلىاللهعليهوسلم لا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
