حالهم ، والحمد لمن من عليهم بحسن منقلبهم ومآلهم ، ويجوز أن يكون قولهم هذا في الدنيا لما غلب على قلوبهم من الهيبة عند ما تحققوا هذه المواعظ : (إِنَّ الْخاسِرِينَ) أي الذين كملت خسارتهم هم خاصة (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بما استغرقها من العذاب (وَأَهْلِيهِمْ) بمفارقتهم لهم إما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار الثواب إن كانوا من أهل الإيمان.
ولما أخبر بخسارتهم بين ظرفها تهويلا لها ، ويجوز أن يكون ظرفا لهذا القول وهو أردع لمن له مسكة لأن من جوز أن يخسر وأن عدوه يطلع على خسارته ويظهر الشماتة به ، كان جديرا بأن يترك السبب الحامل على الخسارة فقال : (يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي الذي هو يوم فوت التدارك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء. ولما كان هذا نهاية الخسارة ، أنتج قوله مناديا ذاكرا سبب هذه الخسارة المعينة مؤكدا لأجل إنكار الظالمين لها وإن كان من تتمة قول المؤمنين هناك ، فالتأكيد مع ما يفيد الإخبار به في هذه الدار من ردع المنكر للإعلام بما لهم من اللذة فيما رأوا من سوء حالهم وتقطع أوصالهم ورجائهم من أن ينقطع عنهم ذلك كما ينقطع عن عصاة المؤمنين : (أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ) أي الراسخين في هذا الوصف فهم بحيث لا ينفكون عن فعل الماشي في الظلام بوضع الأشياء في غير مواضعها (فِي عَذابٍ مُقِيمٍ) لا يزايلهم أصلا ، فلذلك لا يفرغون منه في وقت من الأوقات ، فلذلك كان خسرانهم لكل شيء.
ولما كانت العادة جارية بأن من وقع في ورطة وجد في الأغلب وليا ينصره أو سبيلا ينجيه ، قال عاطفا على (وَتَراهُمْ) أو «ألا إن» : (وَما كانَ) أي صح ووجد (لَهُمْ) وأعرق في النفي فقال : (مِنْ أَوْلِياءَ) فما لهم من ولي لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب الأولى.
ولما كان من يفعل فعل القريب لا يفيد إلا إن كان قادرا على النصرة قال : (يَنْصُرُونَهُمْ) أي يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات لا في الدنيا بأن يقدروا على إنقاذهم من وصف الظلم ولا في الآخرة بإنقاذهم مما جرى عليهم من العذاب. ولما كان الله تعالى يصح منه أن يفعل ما يشاء بواسطة أو غيرها قال : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي ما صح ذلك وما استقام بوجه بغيره ، وأما هو فيصح ذلك منه ويستقيم له لإحاطته بأوصاف الكمال ، ولو أراد لفعل. ولما بين ما لهم بين ما لمن اتصف بوصفهم كائنا من كان ، فقال بناء على نحو : لأنه هو الذي أضلهم : (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) أي يوجد ضلاله إيجادا بليغا بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم البيان له أو بعدم التوفيق بعد البيان :
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
