ونواحيهم وأصقاعهم ومن نظر إلى صنائعه سبحانه تيقن وجوده وقدرته واختياره ، ثم إذا أمعن في النظر وتابع التدبر في الفكر وصل إلى معرفة الصانع بأسمائه وصفاته وما ينبغي له ويستحيل عليه فيحمده بمحامده التي لا نهاية لها ويسبحه بسبحانه ثم إن أمعن سما إلى الوقوف على حكمة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب.
ولما كنا عالمين بأن من أوجد أشياء قدر على ضم أشتاتهم متى شاء مع نقص التصرف والعجز في التقلب كنا جديرين بالعلم القطعي بمضمون قوله تعالى : (وَهُوَ) أي بما له من صفات العظمة التي يعلم الظاهر معها ، وما غاب عنا أكبر (عَلى جَمْعِهِمْ) أي هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم بعد تفرقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره من الحظوظ والأهواء وغير ذلك.
ولما كان الجمع لا بد منه ، عبر بأداة التحقق فقال معلقا بجمع : (إِذا) وحقق النظر إلى البعث فعبر بالمضارع فقال : (يَشاءُ قَدِيرٌ) أي بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم بجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ، ولما ذكرهم سبحانه بنعمه ، وكان السياق لتعداد ما ناسب مقصود هذه السورة منها ، كان الفكر جديرا بأن يخطر له ما في الدنيا من الأمراض والأنكاد والهموم والفهوم بالإشقاء فيها والإسعاد ، قال شافيا لعي سؤاله عن ذلك ببيان ما فيه من نعمته على وجه دال على تمام قدرته ، عاطفا على ما هو مضمون ما مضى بما تقديره : فهو الذي خلقكم ورزقكم وهو المتصرف فيكم بعد بثكم بالعافية والبلاء تمام التصرف ، فلا نعمة عندكم ولا نقمة إلا منه ، لا يقدر أصحابها على ردها ولا رد شيء مها فهو وليكم وحده (وَما أَصابَكُمْ) واجههم بالخطاب زيادة في تقريب الطائع وتبكيت العاصي ، وعم بقوله : (مِنْ مُصِيبَةٍ) وأخبر عن المبتدأ بقوله : (فَبِما) أي كائن بسبب الذي ـ هذا على قراءة نافع وابن عامر ، وإثبات الفاء في الباقين زيادة في إيضاح السببية فقرأوا «فبما» لتضمن المبتدأ الشرط أي فهو بالذي.
ولما كانت النفوس مطبوعة على النقائص ، فهي لا تنفك عنها إلا بمعونة من الله شديدة ، كان عملها كله أو جله عليها ، فعبر بالفعل المجرد إشارة إلى ذلك فقال : (كَسَبَتْ).
ولما كان العمل غالبا باليد قال : (أَيْدِيكُمْ) أي من الذنوب ، فكل نكد لا حق إنما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير ، روى ابن ماجة في سننه وابن حبان في صحيحه ـ والحاكم واللفظ له ـ وقال : صحيح الإسناد ـ عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
