ولما كان التقدير حتما : فمن يقترف سيئة فعليه وزرها ، ولكنه طوى لأن المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية مع سابقه ، عطف عليه قوله : (وَمَنْ يَقْتَرِفْ) أي يكسب ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج (حَسَنَةً) أي ولو صغرت ، وصرف القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنه لا يزيد في الإحسان إلا العظماء ، وإلى أن الإحسان قد يكون سببا لعظمة المحسن فقال : (نَزِدْ) على عظمتنا (لَهُ فِيها حُسْناً) بما لا يدخل تحت الوهم ، ومن الزيادة أن يكون له مثل أجر من اقتدي به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئا ، وهذا من أجر الرسل على إبلاغه إلى الأمم ، فهم أغنياء عن طلب غيره ـ هذا إن اهتدوا به ، وإن دعاهم فلم يهتدوا كان له مثل أجورهم لو اهتدوا ، فإن عدم اهتدائهم ليس من تقصيره ، بل قدر الله وما شاء فعل.
ولما كانوا يقولون : إنا قد ارتكبنا من المساوىء ما لم ينفع معه شيء ، قال نافيا لذلك على سبيل التأكيد معللا مبينا بصرف القول إلى الاسم الأعظم أن مثل ذلك لا يقدر عليه ملك غيره على الإطلاق : (إِنَّ اللهَ) أي الذي لا يتعاظمه شيء (غَفُورٌ) لكل ذنب تاب منه صاحبه أو كان يقبل الغفران وإن لم يتب منه إن شاء ، فلا يصدن أحدا سيئة عملها عن الإقبال على الحسنة.
ولما كان إثبات الحسنة فضلا عن الزيادة عليها لا يصح إلا مع الغفران ، ولا يمكن أن يكون مع المناقشة ، فذكر ذلك الوصف الذي هو أساس الزيادة ، أفادها ـ أي الزيادة ـ بقوله : (شَكُورٌ) فهو يجزي بالحسنة أضعافها ويترك سائر حقوقه. ولما أثبت أنه أنزل الكتاب بالحق ، ودل على ذلك إلى أن ختم بنفي الغرض في البلاغ فحصل القطع بمضمون الخبر ، كان كأنه قيل إنكارا عليهم وتوبيخا لهم : هل عملوا بما نبهناهم عليه مما يدعون أنهم عريقون فيه من صلة الرحم والإقبال على معالي الأخلاق باجتناب السيئات وارتكاب الحسنات ، والبعد عن الكذب والمكابرة والبهتان ، فاعتقدوا أنه حق وأنه وحي من عند الله بما قام على ذلك من البرهان : (أَمْ يَقُولُونَ) عنادا : (افْتَرى) أي تعمد أن يقطع ، وقدم ذكر الملك الأعظم تنبيها على أنه لا أفظع من الكذب على ملك الملوك مع فهم المفعول به من لفظ الافتراء فقال : (عَلَى اللهِ) الذي أحاط بصفات الكمال ، فله العلم الشامل بمن يتقول عليه والقدرة التامة على عقابه (كَذِباً) حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله لهذا الدين.
ولما كان التقدير قطعا : إنهم ليقولون ذلك وكان قولهم له قولا معلوم البطلان لأنه تحداهم بشيء من مثله في زعمهم أن له مثلا ليعلم صحة قولهم فلم يأتوا بشيء وهم وإن كانوا قد يدعون أنه يمنعهم من ذلك أنهم لا يستجيزون الكذب مبطلون لا يمتري
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
