أَنَّهَا الْحَقُ) إعلاما بأنهم على بصيرة من أمرها ، فهم لا يستعجلون بها ، فالآية من الاحتباك : ذكر الاستعجال أولا دليلا على حذف ضده ثانيا ، والإشفاق ثانيا دليلا على حذف ضده أولا. قال ابن كثير : وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد أن رجلا سأل رسول الله صلىاللهعليهوسلم بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه : يا محمد ، فقال له النبي صلىاللهعليهوسلم بنحو من صوته (هاؤُمُ) فقال : متى الساعة؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟» فقال : حب الله ورسوله ، فقال : «أنت مع من أحببت (١)». قال ابن كثير : فقوله في الحديث «المرء مع من أحب» متواتر لا محالة (٢) ، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة ، بل أمره بالاستعداد لها ـ انتهى ، وهو مشروط بالبراءة من أعداء الله بدليل قصة أبي طالب فإنه لم ينفعه حب الولي نفعا تاما بدون البراءة من العدو.
ولما أعلم بتعريف الحق أنها ثابتة ثباتا كاملا لا انقضاء له أصلا ولا زوال لآثارها ، أنتج قوله مؤكدا معظما في مقابلة إنكارهم : (أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ) أي يظهرون شكهم في معرض اللجاجة الشديدة طلبا لظهور شك غيرهم من : مريت الناقة ـ إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لتستخرج ما عساه يكون فيها من اللبن (فِي السَّاعَةِ) أي القيامة وما تحتوي عليه (لَفِي ضَلالٍ) أي ذهاب جائر عن الحق (بَعِيدٍ) جدا عن الصواب ، فإن لها من الأدلة الظاهرة في العقل المؤيد بجازم النقل ما ألحقها حال غيابها بالمحسوسات لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.
ولما كان حاصل أمر الفريقين أنه أظهر خوف الكافرين في غاية الأمن وأبطن أمن المؤمنين في أزعج خوف ، وكان هذا عين اللطف ، فإنه الوصول إلى الشيء بضده ، ويطلق على إيصال البر إلى الخلق على وجه يدق إدراكه ، وكان أكثر ما يبطىء بالإنسان في أمر الدين اهتمامه بالرزق ، أنتج ذلك قوله : (اللهُ) أي الذي له الأمر كله فهو يفعل ما يريد (لَطِيفٌ) أي بالغ في العالم وإيقاع الإحسان بإيصال المنافع ، وصرف المضار على وجه يلطف إدراكه ، قال القشيري : اللطيف العالم بدقائق الأمور وغوامضها وهو الملطف المحسن وكلاهما في صفته سبحانه صحيح ، وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه بالإحسان في الأمور الدينية ، وقال الرازي في اللوامع : هو اسم مركب من علم
__________________
(١) حسن. أخرجه الترمذي ٣٥٣٦ وابن حبان ٥٦٢ والطيالسي ١١٦٧ و ٢٣٢١ من حديث صفوان بن عسال المرادي. وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات معروفون.
(٢) أخرجه البخاري ٦١٦٧ ومسلم ٢٦٣٩ والترمذي ٢٣٨٥ وابن حبان ٨ وأحمد ٣ / ١٧٣ و ٢٧٦ من حديث أنس. وأخرجه البخاري ٦١٧٠ ومسلم ٢٦٤١ وأحمد ٤ / ٤٠٥ من حديث أبي موسى.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
