العقل وأبين من الميزان للحس : (وَالْمِيزانَ) أي الأمر به مريدا به عينه حقيقة وجميعها بل جميع العدل الذي تقدم في (لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) مجازا. ولما ثبت أن من جادل فيه كانت حجته داحضة إذا حوسب في الساعة فكان معذبا ، وكان التقدير بما هدى إليه السياق تسلية له صلىاللهعليهوسلم فيما يقاسي في إنفاذ ما أمر به من العدل في جميع أقواله وأفعاله وصبره على أذاهم : فمن فزع إلى الكتاب في المعاني وإلى الميزان في الأعيان فبنى أمره على تحقق العدل فيهما بهما فاز ، ومن أهمل ذلك خاب ، فدحضت حجته ، وسقطت عند ربه منزلته ، وما يدريك لعل من جار يعاجل في الدنيا بالأخذ لكون أجله الذي سبقت الكلمة بتأخيره إليه قد حضر ، عطف عليه قوله موجها الخطاب إلى أعلى الخلق تعظيما للأمر : (وَما يُدْرِيكَ) يا أكمل الخلق (لَعَلَّ السَّاعَةَ) التي أشير إليها في هذه الآية بقوله (عِنْدَ رَبِّهِمْ) بعد أن صرح بها في غير آية. ولما كان تأنيث الساعة غير حقيقي لأنها بمعنى الوقت ، ذكرها فقال : (قَرِيبٌ) فأفهم ذلك أنها ذات شدائد وأن شدائدها ذكور الشدائد وأن قربها أسرع من لمع البرق لما له من الثبات في الحق ، أو ذكرها على إرادة السبب أي ذات قرب ، أو على حذف مضاف أي مجيئها ، وعلى كل حال فهو دال على تفخيمها أي إنك بمظنة من قرب القيامة ، فيقع بهم ما توعدوا به مما ينبغي الإشفاق منه ، فيظهر فيها العدل بموازين القسط لجميع الأعمال ظهورا لا يتمارى فيه أحد فيشرف من وفى ، ويخزي من جار وجفا.
ولما تصور بهذا قربها مشارا بالتعبير بلعل إلى أن حال المستعجل بها حال المترجي لشيء محبوب وهو جهل منه عظيم ، شرع في تفصيل الناس في أمرها فقال مشيرا إلى أنه ينبغي للعاقل الاستعداد لها للخلاص في وقتها لظهور دلائلها من غير بحث عن قربها أو بعدها ، فإنه لا بد من كونها (يَسْتَعْجِلُ بِهَا) أي يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها) أي لا يتجدد لهم ذلك أصلا وهم غير مشفقين منها ويظنون أنها الباطل ، وكان الحال يقتضي أن يكونوا أنفر الناس منها لكن حملهم على ذلك تكذيبهم بها واستهزاؤهم وظنهم عدم كونها جهلا ممن هم معترفون بقدرته وعلوه وعظمته.
ولما دل على جهل الكافرين ، دل على أضدادهم فقال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا) وإن كانوا في أول درجات الإيمان (مُشْفِقُونَ) أي خائفون خوفا عظيما (مِنْها) لأن الله هداهم بإيمانهم ، فصارت صدورهم معادن المعارف ، وقلوبهم منابع الأنوار ، فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار ، فخافوا للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار. ولما قدم الإشفاق تنبيها على أن العاقل ينبغي أن يخشى ما يمكن وقوعه ، قال : (وَيَعْلَمُونَ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
