بيوم السبت وهو مصرح بأن خلق الأرض وما فيها في ستة أيام كما هو ظاهر هذه الآية ، ويجاب بأن المراد بالخلق فيه إخراج أقواتها بالفعل ، والمراد هنا تهيئتها لقبول ذلك ، ويشكل أيضا بأن الأيام إنما كانت بدوران الأفلاك ، وإنما كان ذلك بعد تمام الخلق بالفعل ، فالظاهر أن المراد باليوم ما قال الحرالي : مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر أو مقدار يومين تعرفونها من أيام الدنيا. ولما ذكر كفرهم بالبعث وغيره ، عطف على (تكفرون) قوله : (وَتَجْعَلُونَ) أي مع هذا الكفر (لَهُ أَنْداداً) مما خلقه ، فتثبتون له افعالا وأقوالا مع أنكم لم تروا شيئا من ذلك ، فأنكرتم ما تعلمون مثله وأكبر منه ، وأثبتّم ما لم تعلموه أصلا ، هذا هو الضلال المبين. ولما بكتهم على قبيح معتقدهم ، عظم ذلك بتعظيم شأنه سبحانه فقال : (ذلِكَ) أي الإله العظيم (رَبُّ الْعالَمِينَ) أي موجدهم ومربيهم ، وذلك يدل قطعا على جميع ما له من صفات الكمال.
ولما ذكر ما هم به مقرون من إبداعها ، أتبعه ما جعل فيها من الغرائب ، فقال عاطفا على ما تقديره : أبدع الأرض على ما ذكر : (وَجَعَلَ) ولا يجوز عطفه على صلة الموصول للفصل بأجنبي (فِيها رَواسِيَ) هي أشدها وهي الجبال ، ونبه على أنها مخالفة للرواسي في كونها تحت ما يراد إرساؤه فقال : (مِنْ فَوْقِها) فمنعتها من الميد ، فعل ذلك لكونه أدل على القدرة ، فإنها لو كانت من تحت لظن أنها ، أساطين حاملة ، ولتظهر منافع الجبال بها أنفسها وبما فيها ، ويشاهد أنها أثقال مفتقرة إلى حامل. ولما هيأها لما يراد منها ، ذكر ما أودعها فقال : (وَبارَكَ فِيها) أي جعلها قابلة ميسرة صالحة بالأقوات والمنافع من الذوات والمعاني المعينة على محاسن الأعمال الميسرة للسير إليه والإقبال عليه ، ودالة على جميع صفاته الحسنى وأسمائه العلى وغير ذلك من المعارف والقدر والقوى (وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها) أي جعلها مع البركة على مقدار لا تتعداه ، ومنهاج بديع دبره في الأزل وارتضاه ، وقدره فأمضاه ، ومن ذلك أنه خص بعض البلاد بشيء لا يوجد في غيرها لتنتظم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض ، فكان جميع ما تقدم من إيداعها وإيداعها ما ذكر من متاعها ، دفعة واحدة لا ينقص عن حاجة المحتاجين أصلا ، وإنما ينقص توصلهم أو توصل بعضهم إليه فلا يجد له حينئذ ما يكفيه ، وفي الأرض أضعاف أضعاف كفايته ، ثم ذكر فذلكة خلق الأرض وما فيها فقال : (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) وهذا العدد عند ضم اليومين الماضيين إلى يومي الأقوات وهما الثلاثاء والأربعاء ، أو يكون المعنى في تتمته أربعة أيام ، ولا يحمل على الظاهر ليكون ستة لأنه سيأتي للسماوات يومان فكانت تكون ثمانية ، فتعارض آية (ألم السجدة) (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) وفصل مقدار ما خلقها فيه ومقدار ما خص
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
