خلق الله وإنكار القيامة المؤدي إلى الاستغراق فيما أبغض الله من طلب الدنيا ولذاتها وهو من الاستهانة بأمر الله ، قال الأصبهاني : وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام : أمس واليوم والغد ، فمعرفة أنه كيف كانت أحواله بالأمس في الأزل هو بمعرفة الخالق لهذا العالم ، ومعرفة كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر هو بالإحسان إلى أهل العلم بقدر الطاقة ، ومعرفة الأحوال في اليوم المستقبل بالإقرار بالبعث والقيامة ، فإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال.
ولما ذكر ما للجاهلين وعيدا وتحذيرا ، ذكر ما لأضدادهم وعدا وتبشيرا ، فقال مجيبا لمن تشوف لذلك مؤكدا لإنكار من ينكره : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي بما آتاهم الله من العلم النافع (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) من الزكاة وغيرها ليكون علمهم شرعيا نافعا ، ولما كان افتتاح السورة بالرحمن الرحيم مشعرا بأن الأسباب الظاهرية انمحت عند السبب الحقيقي الذي هو رحمته ، أعرى الخبر عن الفاء ، فقال إيذانا بعظم الجزاء لأن سببه رحمة الرحيم ، ولو كان بالفاء لآذنت أنه على مقدار العمل الذي هو سببه : (لَهُمْ أَجْرٌ) أي عظيم (غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي مقطوع ـ جزاء على سماحهم بالفاني اليسير من أموالهم في الزكاة وغيرها وما أمر الله به من أقوالهم وأفعالهم في الآخرة والدنيا ، والممنون : المقطوع من مننت الحبل أي قطعته بقطع مننه ومنه قولهم : قد منه السفر أي قطعه وأذهب منته.
ولما ذكر سبحانه سفههم في كفرهم بالآخرة ، شرع في ذكر الأدلة على قدرته عليها وعلى كل ما يريد بخلق الأكوان وما فيها الشامل لهم ولمعبوداتهم من الجمادات وغيرها الدال على أنه واحد لا شريك له ، فقال منكرا عليهم ومقررا بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق : (قُلْ) أي لمن أنكر الآخرة منكرا عليه بقولك : (أَإِنَّكُمْ) وأكد لإنكارهم التصريح بما يلزمهم من الكفر (لَتَكْفُرُونَ) أي توجدون حقيقة الستر لأنوار العقول الظاهرة (بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ) أي على سعتها وعظمتها من العدم (فِي يَوْمَيْنِ) فتنكرون قدرته على إعادة ما خلقه منها ابتداء مع اعترافكم بأنه ابتدأ خلقها وخلق ذلك منها ، وهذان اليومان الأحد والاثنين ـ نقل هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وعبد الله بن سلام رضي الله عنه ـ قال ابن الجوزي : والأكثرين ، وحديث مسلم الذي تقدم في سورة البقرة «خلق الله التربة يوم السبت» (١) يخالف هذا ، فإن البداءة فيه
__________________
(١) تقدم هذا الحديث في أكثر من مناسبة رواه مسلم وغيره.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
