سُلالَةٍ) أي من شيء مسلول ، أي منتزع منه (مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) أي حقير وضعيف وقليل مراق مبذول ، فعيل بمعنى مفعول ، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله : (ثُمَّ سَوَّاهُ) أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير وإبداع المعاني (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) الروح ما يمتاز به الحي من الميت ، والإضافة للتشريف ، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى الله.
ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم ، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث لهم إقبالهم وانتفاعهم ، لفت إليهم الخطاب قائلا : (وَجَعَلَ) أي بما ركب في البدن من الأسباب (لَكُمُ السَّمْعَ) أي تدركون به المعاني المصوتة ، ووحده لقلة التفاوت فيه إذا كان سالما (وَالْأَبْصارَ) تدركون بها المعاني والأعيان القابلة. ولعله قدمهما لأنه ينتفع بهما حال الولادة ، وقدم السمع لأنه يكون إذ ذاك أمتن من البصر. ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور ، وأما العقل فإنما يحصل بالتدريج فلذا أخر محله فقال : (وَالْأَفْئِدَةَ) أي المضغ الحارة المتوقدة المتحرفة ، وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أيّ تباين ؛ قال الرازي في اللوامع : جعله ـ أي الإنسان ـ مركبا من روحاني وجسماني ، وعلوي وسفلي ، جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده ، واستجمع الكونين بعقله وحسه ، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيا قوليا ، وسلم الأمر لمن له الخلق والأمر تسليما اختياريا طوعيا. ولما لم يتبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال : (قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ) أي وكثيرا ما تكفرون.
ولما كانوا قد قالوا : محمد ليس برسول ، والإله ليس بواحد ، والبعث ليس بممكن ، فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب ، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم ، وختم بالتعجيب من كفرهم ، وكان استبعادهم للبعث ـ الذي هو الأصل الثالث ـ من أعظم كفرهم ، قال معجبا منهم في إنكاره بعد التعجيب في قوله : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ،) لافتا عنهم الخطاب إيذانا بالغضب من قولهم : (وَقالُوا) منكرين لما ركز في الفطر الأول ، ونبهت عليه الرسل ، فصار بحيث لا يكره عاقل ألم بشيء من الحكمة : (أَإِذا) أي أنبعث إذا (ضَلَلْنا) أي ذهبنا وبطلنا وغبنا (فِي الْأَرْضِ) بصيرورتنا ترابا مثل ترابها ، لا يتميز بعضه من بعض : قال أبو حيان تبعا للبغوي والزمخشري وابن جرير الطبري وغيرهم : وأصله من ضل الماء في اللبن ـ إذا ذهب. ثم كرروا الاستفهام الإنكاري زيادة في الاستبعاد فقالوا : (إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) هو محيط بنا ونحن مظروفون له.
ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة ، وكانوا يقرون بما يلزمهم منه الإقرار
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
