فعطف عليه قوله : (ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ) أي الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ابتداء ، لا إلى غيره ، بعد إعادتكم (تُرْجَعُونَ) بأن يبعثكم كنفس واحدة فإذا أنتم بين يديه ، فيتم إحسانه وربوبيته بأن يجازي كلّا بما فعل ، كما هو دأب الملوك مع عبيدهم ، لا يدع أحد منهم الظالم من عبيده مهملا.
ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس ، شرع يقص بعض أحوالهم عند ذلك ، فقال عادلا عن خطابهم استهانة بهم وإيذانا بالغضب ، وخطابا للنبي صلىاللهعليهوسلم تسلية له ، أو لكل من يصح خطابه ، عاطفا على ما تقديره : فلو رأيتهم وقد بعثرت القبور ، وحصل ما في الصدور ، وهناك أمور أيّ أمور ، موقعا المضارع في حيز ما من شأنه الدخول على الماضي ، لأنه لتحقق وقوعه كأنه قد كان ، واختير التعبير به لترويح النفس بترقب رؤيته حال سماعه ، تعجيلا للسرور بترقب المحذور لأهل الشرور : (وَلَوْ تَرى) أي تكون أيها الرائي من أهل الرؤية لترى حال المجرمين (إِذِ الْمُجْرِمُونَ) أي القاطعون لما أمر الله به أن يوصل بعد أن وقفوا بين يدي ربهم (ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ) أي مطأطئوها خجلا وخوفا وخزيا وذلا في محل المناقشة (عِنْدَ رَبِّهِمْ) المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم ، قائلين بغاية الذل والرقة : (رَبَّنا) أي أيها المحسن إلينا (أَبْصَرْنا) ما كنا نكذب به (وَسَمِعْنا) أي منك ومن ملائكتك ومن أصوات النيران وغير ذلك ما كنا نستبعده ، فصرنا على غاية العلم بتمام قدرتك وصدق وعودك (فَارْجِعْنا) بما لك من هذه الصفة المقتضية للإحسان ، إلى دار الأعمال (نَعْمَلْ صالِحاً) ثم حققوا هذا الوعد بقولهم على سبيل التعليل مؤكدين لأن حالهم كان حال الشاك الذي يتوقف المخاطب في إيقانه : (إِنَّا مُوقِنُونَ) أي ثابت الآن لنا الإيقان بجميع ما أخبرنا به عنك مما كشف عنه العيان ، أي لو رأيت ذلك لرأيت أمرا لا يحتمله من هوله وعظمه عقل ، ولا يحيط به وصف.
ولما لم يذكر لهم جوابا ، علم أنه لهوانهم ، لأنه ما جرأهم على العصيان إلا صفة الإحسان ، فلا يصلح لهم إلا الخزي والهوان ، ولأن الإيمان لا يصح إلا بالغيب قبل العيان.
ولما كان ربما وقع في وهم أن ضلالهم مع الإمعان في البيان ، لعجز عن هدايتهم أو توان ، قال عاطفا على ما تقديره : إني لا أردكم لأني لم أضلكم في الدنيا للعجز عن هدايتكم فيها ، بل لأني لم أرد إسعادكم ، ولو شئت لهديتكم ، صارفا القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها : (وَلَوْ شِئْنا) أي بما لنا من العظمة التي تأبى أن يكون لغيرنا شيء يستقل به أو يكون في ملكنا ما لا نريد (لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ) أي مكلفة لأن الكلام
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
