تصويرا للحال وإعلاما بالتجدد عند كل قضاء ، وقد مضى في سورة البقرة إشباع الكلام في توجيه قراءة ابن عامر بما تبين به أنها أشد من قراءة غيره.
ولما علم من هذا أنه لا كلفة عليه في شيء من الأشياء بهذه الأمور المشاهدة في أنفسهم وفي الآفاق ، أنتج التعجب من حالهم لمن له الفهم الثاقب والبصيرة الوقادة ، وجعل ذلك من آياته الباهرة وقدرته القاهرة الظاهرة ، فلذلك قال لافتا الخطاب إلى أعلى الخلق لأن ذم الجدال بالباطل من أجل مقصود هذه السورة : (أَلَمْ تَرَ) أي يا أنور الناس قلبا وأصفاهم لبا ، وبين بعدهم بأداة النهاية فقال : (إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ) أي بالباطل ، ونبه على ما في هذه الآيات من عظمته التي لا نهاية لها بإعادة الاسم الجامع فقال : (فِي آياتِ اللهِ) أي الملك الأعظم (أَنَّى) أي كيف ومن أي وجه (يُصْرَفُونَ) عن الآيات الحقة الواضحة التي سبقت بالفطرة الأولى إلى جذور قلوبهم ، فلا حجة يوردون ولا عذاب عن أنفسهم يردون ، لأنه سبحانه استاقهم ـ كما قال ابن برجان ـ بسلاسل قهره المصوغة من خالص عزماتهم وعزائم إرادتهم من حقيقة ذواتهم إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة ـ فصل ما جادلوا فيه واصفا لهم بما يزيد في التعجيب من شدة جهلهم وتعاظم عماهم فقال : (الَّذِينَ كَذَّبُوا) وحذف المفعول إشارة إلى عموم التكذيب : (بِالْكِتابِ) أي بسببه في جميع ما له من الشؤون التي تفوت الحصر والعظمة في كل أمر كما أشير بأداة الكمال إلى أنه لكماله كأنه لا كتاب غيره لأن من سمعه فكأنما سمعه من النبي صلىاللهعليهوسلم لإعجازه ، فمن كذب بحرف منه فقد كذب بكل كتاب الله.
ولما كان التكذيب به تكذيبا بجميع الرسالات الإلهية ، أكد عظمته بذلك وبالإضافة إلى مظهر العظمة ، تحذيرا للمكذبين من سطواته ، وتذكيرا لهم بأن العمل مع الرسول عمل مع من أرسله ، فلذا لفت الكلام على الاسم الجامع لصفتي الجلال والإكرام فقال تعالى : (وَبِما أَرْسَلْنا) أي على ما لنا من العظمة (بِهِ رُسُلَنا) من جميع الملل والشرائع بكتاب كان أو بغيره ، وهو بحيث لا يحاط بكنه جلاله وعظمة حاله ، ولذا تسبب عنه تهديدهم في قوله تعالى : (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) أي بوعيد صادق لا خلف فيه ، ما يحل بهم من سطوتنا.
(إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
