صاعدين بالقوة في أوج الكمال طورا بعد طور وحالا بعد حال (لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَ) يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول (لِتَكُونُوا شُيُوخاً) ضعفاء غرباء ، قد مات أقرانكم ، ووهت أركانكم ، فصرتم تخشون كل أحد.
ولما كان هذا مفهما لأنه حال الكل ، بين أنه ما أريد به إلا البعض لأن المخاطب الجنس ، وهو يتناول البعض كما يتناول الكل فقال : (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) بقبض روحه وجميع معانيه. ولما كان الموت ليس مستغرقا للزمن الذي بين السنين ، وإنما هو في لحظة يسيرة مما بينهما ، أدخل الجار على الظرف فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي قبل حال الشيخوخة أو قبل حال الأشدية. ولما كان المعنى : لتتفاوت أعماركم وأحوالكم وأعمالكم ، عطف عليه قوله : (وَلِتَبْلُغُوا) أي كل واحد منكم (أَجَلاً مُسَمًّى) أي له سماه الملك الذي وكل به في بطن أمه عن إذننا وبأمرنا الذي قدرناه في الأزل ، فلا يتعداه مرة ، ولا بمقدار ذرة ، فيتجدد للملائكة إيمان في كل زمان.
ولما كانت هذه الأمور مقطوعا بها عند من يعلمها ، وغير مترجاة عند من يجهلها ، فإنه لا وصول للآدمي بحيلة ولا فكر إلى شيء منها ، فعبر فيها باللام ، وكان التوصل بالتفكر فيها والتدبر إلى معرفة أن الإله واحد في موضع الرجاء للعاقل قال : (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي فتعلموا بالمفاوتة بين الناس فيها ببراهين المشاهدة بالتقليب في أطوار الخلقة وأدوار الأسنان ، وإرجاع أواخر الأحكام على أوائلها أن فاعل ذلك قادر مختار حكيم قهار ، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء.
ولما نظم سبحانه هذا الدليل في صنع الآدمي من التراب ، وختمه بأن دلالته على البعث ـ بإجراء سنته في إرجاع أواخر الأمور على أوائلها وغير ذلك ـ لا يحتاج إلى غير العقل ، أنتج عنه قوله : (هُوَ) لا غيره (الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) كما تشاهدونه في أنفسكم وكما مضى لكم الإشارة إليه بخلق السماوات والأرض ، فإن من خلقهما خلق ما بينهما من الآجال المضروبة باختلاف الليل والنهار والشهور والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها ، ثم رجوعها عودا على بدء مثل تطوير الإنسان بعد الترابية من النطفة إلى العلقة إلى ما فوقها ، ثم رجوعه في مدارك هبوطه إلى أن يصير ترابا كما كان ، فليست النهاية بأبعد من البداية.
ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة نافذة ، سبب عن ذلك قوله معبرا بالقضاء : (فَإِذا قَضى أَمْراً) أي أراد أيّ أمر كان من القيامة أو غيرها (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ) ولما كانت (إذا) شرطية أجابها في قراءة ابن عامر بقوله : (فَيَكُونُ) وعطفها في قراءة غيره على (كُنْ) بالنظر إلى معناه ، أو يكون خبرا لمبتدأ أي فهو يكون ، وعبر بالمضارع
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
