عاما مما روى مالك والشيخان وغيرهم عن أن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة (١)». ولعل زيادة النكد أنهم هم المعروضون ، فيذهب بهم في الأغلال يساقون لينظروا ما أعد الله لهم ، وعامة الناس يقتصر في ذلك على أن يكشف لهم ـ وهم في محالّهم ـ عن مقاعدهم ، ففي ذلك زيادة إهانة لهم ، وهو مثل : عرض الأمير فلانا على السيف إذا أراد قتله ، هذا دأبهم إلى أن تقوم الساعة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) يقال لهم : (أَدْخِلُوا آلَ) أي يا آل (فِرْعَوْنَ) هو نفسه وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به ، وجعله نافع وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص فعل أمر من الإدخال ، فالتقدير : نقول لبعض جنودنا : أدخلوا آله لأجل ضلالهم به اليوم (أَشَدَّ الْعَذابِ) وإذا كان هذا لآله لأجله كان له أعظم منه من باب الأولى ، وهذا الآية نص في عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب.
ولما كان هذا من خبر موسى عليهالسلام وفرعون أمرا غريبا جدا ، قل من يعرفه على ما هو عليه ، لأنه من خفي العلم ، أشار سبحانه إلى ذلك بقوله : (وَإِذْ) أي اذكر لهم هذا الذي أنبأناك به مما كان في الزمن الأقدم ، ولا وصول له إليك إلا من جهتنا ، لأنهم يعلمون قطعا أنك ما جالست عالما قط ، واذكر لهم ما يكون في الزمن الآتي حين (يَتَحاجُّونَ) أي هؤلاء الذين نعذبهم (فِي النَّارِ) أي يتخاصمون فيها أتباعهم ورؤساؤهم بما لا يغنيهم : (فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ) أي الأتباع (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) أي طلبوا أن يكونوا كبراء. ولما كانوا لشدة ما هم فيه يتبرأ كل منهم من صاحبه. أكدوا قولهم : (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ) أي دون غيركم (تَبَعاً) أي أتباعا ، فتكبرتم على الناس بنا ، وهو عند البصريين يكون واحدا كجمل ويكون جمعا كخدم جمع خادم ، ولعله عبر به إشارة إلى أنهم كانوا في عظيم الطواعية لهم على قلب رجل واحد ولما كان الكبير يحمي تابعه ، سببوا عن ذلك سؤالهم فقالوا : (فَهَلْ أَنْتُمْ) أي أيها الكبراء (مُغْنُونَ) أي كافون ومجزون وحاملون (عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ).
ولما أتى بكلام الضعفاء مضارعا على الأصل ، وإشارة مع تصوير الحال لأنه أقطع إلى طول خصامهم لأنه أشد في إيلامهم ، فتشوف السامع إلى جوابهم ، استأنف الخبر
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ومسلم ٢٨٦٦ والترمذي ١٠٨٢ والنسائي ٤ / ١٠٧ ومالك ١ / ٢٣٩ وأحمد ٢ / ١١٣ من حديث ابن عمر.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
