عنه بصيغة الماضي تأكيدا لتحقيق وقوعه ردا لما قد يتوهمه الضعيف من أن المستكبر له قوة المدافعة وإباء الأنفة فقال : (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) أي من شدة ما هم فيه. ولما كان الأتباع قد ظنوا أن المتبوعين يغنون عنهم ، أكدوا إخبارهم لهم بما ينافي ذلك فقالوا : (إِنَّا كُلٌ) أي كلنا كائنون (فِيها) أي النار ، كل يناله من العذاب بقدر ما يستحقه سواء إن جادلتمونا أو تركتم جدالنا ولا يظلم بك أحدا ، فلو قدرنا على شيء لأغنينا عن أنفسنا ، ولو سألنا أن نزاد أو ننقص لما أجبنا ، فإن هذه دار العدل فاتركونا وما نحن فيه.
ولما كان حكم الله تعالى مانعا مما كان يفعل في الدنيا من فك المجرم وإيثاق غيره به ، وكان سؤالهم في الإغناء سؤال من يجوز أن يكون حكمه على ما عليه الأحكام من حكام أهل الدنيا ، عللوا جوابهم مؤكدين فقالوا : (إِنَّ اللهَ) أي المحيط بأوصاف الكمال (قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ) أي بالعدل ، فأدخل أهل الجنة دارهم ، وأهل النار نارهم ، فلا يغني أحد عن أحد شيئا.
ولما دل على أنه لا يغني أحد عن أحد شيئا ، أخبر أنهم لما رأوا بعدهم من الله وأنهم ليسوا بأهل لدعائه سبحانه ، علقوا آمالهم بتوسط الملائكة ، فأخبر عن ذلك منهم بقوله : (وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ) أي جميعا الأتباع والمتبوعون (لِخَزَنَةِ) ووضع موضع الضمير قوله : (جَهَنَّمَ) للدلالة على أن سؤالهم لأهل الطبقة التي من شأنها وشأن خزنتها تجهم داخليها ليدل على أنهم لسوء ما هم فيه لا يعقلون ، فهم لا يضعون شيئا في محله كما كانوا في الدنيا : (ادْعُوا رَبَّكُمْ) أي المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألما من النار (يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً) أي في مقداره (مِنَ الْعَذابِ) أي بعضه.
ولما سألوهم ، استأنفوا جوابهم إشارة إلى ما حصل من تشوف السامع إليه ، معرفين لهم بسياقه بالسبب الجاعل لهم في محل الاطراح والسفول عن التأهل لأن يسمع لهم كلام ، فقال تعالى مخبرا عنهم : (قالُوا) أي الخزنة. ولما كان التقدير : ألم تكن لكم عقول تهديكم إلى الاعتقاد الحق ، عطف عليه قوله إلزاما لهم الحجة وتوبيخا وتنديما بتفويت أوقات الدعاء المجاب : (أَوَلَمْ) ولما كان المقام خطرا ، والمرام وعرا عسرا ، فكانوا محتاجين إلى الإيجاز ، قالوا مشيرين بذكر فعل الكون مع اقتضاء الحال للإيجاز إلى عراقة الرسل عليهمالسلام في النصح المنجي من المخاوف بالمعجزات والرفق والتلطف وطول الأناة والحلم والصبر مع شرف النسب وطهارة الشيم وحسن الأخلاق وبداعة الهيئات والمناظر ولطافة العشرة وجلالة المناصب : (تَكُ) بإسقاط النون مع التصوير للحال بالمضارع (تَأْتِيكُمْ) على سبيل التجدد شيئا في أثر شيء
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
