(أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) أي العريقون في الجهل ، وهو التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم ـ قاله الحرالي في سورة البقرة.
ولما كان التقديم يدل على الاختصاص ، وكانوا لم يدعوه للتخصيص ، بل للكف المقتضي للشرك ، بين أنه تخصيص من حيث إن الإله غني عن كل شيء فهو لا يقبل عملا فيه شرك ، ومتى حصل أدنى شرك كان في ذلك العمل كله للذي أشرك ، فكان التقدير بيانا لسبب أمره بأن يقول لهم ما تقدم منكرا عليهم : قل كذا ، فلقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك وجوب التوحيد ، فعطف عليه قوله مؤكدا لأجل ما استقر في النفوس من أن من عمل لأحد شيئا قبل سواء كان على وجه الشركة أولا : (وَلَقَدْ) ولما كان الموحي معلوما له صلىاللهعليهوسلم ، بني للمفعول قوله : (أُوحِيَ إِلَيْكَ) ولما كان التعميم أدعى إلى التقبل قال : (وَإِلَى الَّذِينَ) ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان لبعض الناس قال : (مِنْ قَبْلِكَ) ولما كان الحكم على قوم ربما كان حكما على المجموع مع قيد الجمع خص بيانا لأنه مع كونه حكما على المجموع حكم على كل فرد ، ولأن خطاب الرئيس خطاب لأتباعه لأنه مقتداهم.
ولما كان الموحى إليهم أنه من أشرك حبط عمله سواء كان هو أو غيره ، صح قوله بالإفراد موضع نحو أن الإشراك محبط للعمل وقائم مقام الفاعل ، وعدل عنه إلى ما ذكر لأنه أعظم في النهي وأقعد في الزجر لمن يتأهل له من الأمة ، وأكد لأن المشركين ينكرون معناه غاية الإنكار : (لَئِنْ) أي أوحى إلى كل منكم هذا اللفظ وهو وعزتي لئن (أَشْرَكْتَ) أي شيئا من الأشياء في شيء من عملك بالله وهو من فرض المحال ، ذكره هكذا ليكون أروع للأتباع ، والفعل بعد إن الشرطية للاستقبال ، فعدل هنا عن التعبير بالمضارع للمطابقة بين اللفظ والمعنى لأن الآية سبقت للتعريض بالكفار فكان التعبير بالماضي أنسب ليدل بلفظه على أن من وقع منه شرك فقد خسر ، وبمعناه على أن الذي يقع منه ذلك فهو كذلك.
ولما تقرر الترهيب أجاب الشرط والقسم بقوله : (لَيَحْبَطَنَ) أي ليفسدن فيبطلن عملك فلا يبقى له أثرا ما من جهة القادر فلأنه أشرك به فيه وهو غني لا يقبل إلا الخالص ، لأنه لا حاجة به إلى شيء ، وأما من جهة غيره فلأنه لا يقدر على شيء. ولما كان السياق للتهديد ، وكانت العبادة شاملة لما تقدم على الشرك من الأعمال وما تأخر عنه ، لم يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء بتقييده في آية البقرة وقال : (وَلَتَكُونَنَ) أي لأجل حبوطه (مِنَ الْخاسِرِينَ) فإن من ذهب جميع عمله لا شك في خسارته ،
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
