ولما ذكر حال الذين أشقاهم ، أتبعهم حال الذين أسعدهم ، فقال عاطفا لجملة على جملة لا على «ترى» المظروف ليوم القيامة ، إشارة إلى أن هذا فعله معهم في الدارين وإشارة إلى كثرة التنجية لكثرة الأهوال كثرة تفوت الحصر : (وَيُنَجِّي) أي مطلق إنجاء لبعض من اتقى بما أشارت إليه قراءة يعقوب بالتخفيف ، وتنجية عظيمة لبعضهم بما أفادته قراءة الباقين بالتشديد ، وأظهر ولم يضمر زيادة على تعظيم حالهم وتسكين قلوبهم (اللهُ) أي يفعل بما له من صفات الكمال في نجاتهم فعل المبالغ في ذلك (الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي بالغوا في وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات حماهم هناك من العقوبات (بِمَفازَتِهِمْ) أي بسبب أنهم عدوا أنفسهم في مفازة بعيدة مخوفة فوقفوا فيها عن كل عمل إلا بدليل لئلا يمشوا بغير دليل فيهلكوا ، فأدتهم تقواهم إلى الفوز ، وهو الظفر بالمراد وزمانه ومكانه الذي سميت المفازة به تفاؤلا ، ولذلك فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة لأنها سبب الفوز ، وقرىء بالجمع باعتبار أنواع المصدر ، وذلك كله بعناية الله بهم في الدارين ، فمفازة كل أحد في الأخرى على قدر مفازته بالطاعات في الدنيا.
ولما كان كأنه قيل : ما فعل في تنجيتهم؟ قال ذاكرا نتيجة التنجية (لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ) أي هذا النوع فلا يخافون (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي ولا يطرق بواطنهم حزن على فائت لأنهم لا يفوت لهم شيء أصلا.
ولما كان المخوف منه والمحزون عليه جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر على دفعهما إلا المبدع القيوم ، قال مستأنفا أو معللا مظهرا الاسم الأعظم تعظيما للمقام : (اللهُ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما الذي نجاهم (خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) فلا يكون شيء أصلا إلا بخلقه ، وهو لا يخلق ما يتوقعون منه خوفا ، ولا يقع لهم عليه حزن. ولما دل هذا على القدرة الشاملة ، كان ولا بد معها من العلم الكامل قال : (وَهُوَ) وعبر بأداة الاستعلاء لأنه من أحسن مجزأتها (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي مع القهر والغلبة (وَكِيلٌ) أي حفيظ لجميع ما يريد منه ، قيوم لا عجز يلم بساحته ولا غفلة.
(لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧))
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
