معنى ما تقدم من كذبه وتمنيه أنه ما جاءني بيان ولا كان لي وقت أتمكن فيه من العمل ، قال تعالى مكذبا له : (بَلى) أي قد كان لك الأمران كلاهما (قَدْ جاءَتْكَ) ولفت القول إلى التكلم مع تجريد الضمير عن مظهر العظمة لما تقدم من موجبات استحضارها إعلاما بتناهي الغضب بعد لفته إلى تذكير النفس المخاطبة المشير إلى أنها فعلت في العصيان فعل الأقوياء الشداد من التكذيب والكبر مع القدرة في الظاهر على تأمل الآيات ، واستيضاح الدلالات ، والمشي على طرق الهدايات ، بعد ما أشار تأنيثها إلى ضعفها عن حمل العذاب وغلبة النقائص لها فقال : (آياتِي) على عظمتها في البيان الذي ليس مثله بيان في وقت كنت فيه متمكنا من العمل بالجنان واللسان والأركان (فَكَذَّبْتَ بِها) جرأة على الله وقلة مبالاة بالعواقب (وَاسْتَكْبَرْتَ) أي عددت نفسك كبيرا عن قبولها (وَكُنْتَ) أي كونا كأنه جبلة لك لشدة توغلك فيه وحرصك عليه (مِنَ الْكافِرِينَ) أي العريقين في ستر ما ظهر من أنوار الهداية للتكذيب تكبرا لم يكن لك مانع من الإحسان إلا ذلك لا عدم البيان ولا عدم الزمان القابل للعمل.
ولما كان قد تعمد الكذب عند مس العذاب في عدم البيان والوقت القابل ، قال تعالى محذرا من حاله وحال أمثاله ، ولفت القول إلى من لا يفهمه حق فهمه غيره تسلية له وزيادة في التخويف لغيره : (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أي الذي لا يصح في الحكمة تركه (تَرَى) أي يا محسن (الَّذِينَ كَذَبُوا) وزاد في تقبيح حالهم في اجترائهم بلفت القول إلى الاسم الأعظم فقال : (عَلَى اللهِ) أي الحائز لجميع صفات الكمال بأن وصفوه بما لا يليق به وهو منزه عنه من أنه فعل ما لا يليق بالحكمة من التكليف مع عدم البيان ، ومن خلق الخلق يعدو بعضهم على بعض من غير حساب يقع فيه الإنصاف بين الظالم والمظلوم ، أو ادعوا له شريكا أو نحو ذلك ، قال ابن الجوزي : وقال الحسن : هم الذين يقولون : إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا لم نفعل ـ انتهى ، وكأنه عنى المعتزلة الذين اعتزلوا مجلسه وابتدعوا قولهم : إنهم يخلقون أفعالهم ، ويدخل فيه كل من تكلم في الدين بجهل ، وكل من كذب وهو يعلم أنه كاذب في أيّ شيء كان ، فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله لا يعلم كذبه أو لا يقدر على جزائه كأنه كذب على الله ـ تراهم بالعين حال كونهم (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) مبتدأ وخبر ، وهو حال الموصول أي ثابت سوادها زائد البشاعة والمعظم في الشناعة بجعل ذلك أمارة عليهم ليعرفهم من يراهم بما كذبوا في الدنيا فإنهم لم يستحيوا من الكذب المخزي ، أليس ذلك زاجرا عن مطلق الكذب فكيف بالكذب على الله الذي جهنم سجنه فكيف بالمتكبرين عليه (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ) أي التي تلقى من تلقى فيها بالتجهم والعبوسة (مَثْوىً) أي منزل (لِلْمُتَكَبِّرِينَ) الذي تكبروا على اتباع أمر الله.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
