حِسابٍ) أي على وجه من الكثرة لا يمكن في العادة حسبانه ، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل ، وكل عمل يمكن عده وحصره إلا الصبر فإنه دائم مع الأنفاس ، وهو معنى من المعاني الباطنة لا يطلع خلق على مقداره في قوته وضعفه وشدته ولينه لأنه مع خفائه يتفاوت مقداره ، وتتعاظم آثاره ، بحسب الهمم في علوها وسفولها ، وسموها ونزولها ، ويجوز أن يكون المعنى أن من كمل صبره بما أشارت إليه لام الكمال ـ لم يكن عليه حساب ، لما رواه البزار وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالت : يا رسول الله ، ادع الله لي ، قال : إن شئت دعوت الله فشفاك ، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك ، قالت : بل أصبر ولا حساب علي (١).
ولما كانت الأعين ناظرة إلى الأمر هل يفعل ما يأمر به ومقيده بالرئيس لتأتسي به ، وكان أعظم الصابرين من جاهد نفسه حتى خلص أعمالها من الشوائب وحماها من الحظوظ والعوائق ، وصانها من الفتور والشواغل ، أمره بما يرغبهم في المجاهدة ، ويكشف لهم عن حلاوة الصبر ، بقوله : (قُلْ) ولما كان الرئيس لقربه من الملك بحيث يظن أنه يسامحه في كثير مما يكلف به غيره أكد قوله : (إِنِّي أُمِرْتُ) وبني الفعل لما لم يسم فاعله تعظيما للأمر بأنه قطع ومضى بحيث لم يبق فيه مشوبة ، وأقام مقام الفاعل دليلا على أنه العمدة للحث على لزومه قوله : (أَنْ أَعْبُدَ اللهَ) أي الذي الخلق كلهم سواء بالنسبة إلى قبضته وعلوه وعظمته لأنه غني عن كل شيء (مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) أي العبادة التي يرجى منه الجزاء عليها.
ولما كان الرئيس إذا سابق إلى شيء شوق النفوس إليه ، وأوجب عليها العكوف عليه قال : (وَأُمِرْتُ) أي ، وقع الأمر لي وانبرم بأوامر عظيمة وراء ما أمرتم به لا تطيقونها (لِأَنْ) أي لأجل أن (أَكُونَ) في وقتي وفي شرعي (أَوَّلَ) أي أعظم (الْمُسْلِمِينَ) أي المنقادين في الرتبة الحائزين قصب السبق بكل اعتبار لأوامر الإله الذي لا فوز إلا بامتثال أوامره أو أسبق الكائنين منهم في زماني ، فجهة هذا الفعل غير جهة الأول ، فلذلك عطف عليه لأنه لإحراز قصب السبق ، والأول لمطلق الإخلاص في العبادة.
ولما كان ما أمر به مفهما لأن يكون مع ترغيب ومع ترهيب ، وكان ربما ظن أن الرئيس لا يرهب الملك لأمور ترجى منه أو تخشى ، وكان تكرير الأمر بإبلاغ المأمورين
__________________
(١) أخرجه أحمد ٢ / ٤٤١ وابن حبان ٢٩٠٩ والبزار ٧٧٢ والحاكم ٤ / ٢١٨ والبغوي ١٤٢٤ عن أبي هريرة بإسناد حسن وأخرجه البخاري ٥٦٥٢ وأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
