التقدير : قال الله ، وتشريفا لهم بالإضافة إليه بالضمير الدال على اللطف وشدة الخصوصية ، وإعلاما لهم بأنه حاضر لا يغيب عنهم بوجه : (الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أدنى حالاتها.
ولما كان الإحسان ربما جرا على المحسن ، أشار سبحانه إلى سداد قول العارفين «اجلس على البساط وإياك والانبساط» ونبه بلفت القول عن مظهر التكلم إلى الوصف بما يدل على أن العاقل من أوجب له الإحسان إجلالا وإكبارا ، وأثمر له العطف والتقريب ذلّا في نفسه وصغارا ، وخوفا وانكسارا ، مما أقله قطع الإحسان فقال : (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) أي اجعلوا بينكم وبين غضب المحسن إليكم وقاية بأن تترقوا في درجات طاعته مخلصين له كما خلقكم لكم لا لغرض له ليرسخ إيمانكم ويقوي إحسانكم ، وهذا أدل دليل على أن الإيمان يكون مع عدم التقوى.
ولما أرشدهم بالاسم الناظر إلى الإحسان إلى أن يقولوا : فما لنا إن فعلنا؟ قال مجيبا معللا : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) أي لكم ، ولكنه أظهر الوصف الدال على سبب جزائهم تشويقا إلى الازدياد منه ، ولما كان العمل لا ينفع إلا في دار التكليف قال : (فِي هذِهِ) باسم الإشارة زيادة في التعيين (الدُّنْيا) أي الدنية الوضرة التي لا تطهر الحياة فيها إلا بالتقديس بعبادة الخالق والتخلق بأوصافه (حَسَنَةٌ) أي عظيمة في الدنيا بالنصر والمعونة مع كثرة المخالف وفي الآخرة بالثواب ، ويجوز أن يكون معنى (أَحْسَنُوا) أوقعوا الإحسان ، ومعلوم أنه في هذه الدنيا ، فيكون ما بعده مبتدأ وخبرا ، لكنه يصير خاصا بثواب الدنيا ، فالأول حسن.
ولما كان ربما عرض للإنسان في أرض من يمنعه الإحسان ، ويحمله على العصيان ، حث سبحانه على الهجرة إلى حيث يزول عنه ذلك المانع ، تنبيها على أن مثل هذا ليس عذرا في التقصير كما قيل :
وإذا نبا بك منزل فتحول
فقال : (وَأَرْضُ اللهِ) أي الذي له الملك كله والعظمة الشاملة (واسِعَةٌ) ووجوده بعلمه وقدرته في كل أرض على حد سواء ، فالمتقيد بمكان منها ضعيف العزم واهن اليقين ، فلا عذر للمفرط في الإحسان بعدم الهجرة. ولما كان الصبر على هجرة الوطن ولا سيما إن كان ثم أهل وعشيرة شديدا جدا ، ذكر ما للصابر على ذلك لمن تشوف إلى السؤال عنه فقال : (إِنَّما يُوَفَّى) أي التوفية العظيمة (الصَّابِرُونَ) أي على ما تكرهه النفوس في مخالفة الهوى واتباع أوامر الملك الأعلى من الهجرة وغيرها (أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
