الضلال في غاية الظهور ، وكان العاقل لا يفعل شيئا إلا لعلة ، عظمهم تهكما بهم عن أن يكونوا ضلوا هذا الضلال الظاهر من غير قصد إليه ، فقال مشيرا إلى ذلك كله : (لِيُضِلَ) أي بنفسه عند من فتح الياء ، ويضل غيره عند من ضمها (عَنْ سَبِيلِهِ) أي الطريق الموصل إلى رضوانه ، الموجب للفوز بإحسانه.
ولما كان من المعلوم المحقق المقطوع به المركوز في الفطر الأولى المستمر فيما بعدها أن الملك لا يدع من يعصيه بغير عقاب ، وكان قد ثبت بقضية الإجماع وقت الاضطرار أنه لا يلتفت إلى أحد سوى الله وكان من التفت ـ بعد أن أنجاه الله من ضرره وأسبغ عليه من نعمه ـ كافرا من غير شك عند ذي عقل ، وكان من كان بهذه المثابة في هذه الدار هم أهل النعم الكبار ، والتمتع الصافي عن الأكدار ، كان من المعلوم أنه لا بد من عقوبته في دار القرار ، فقال تعالى مبينا لأن هذا التمتع إنما هو سبب هذا الكفران استدراجا مع الإعراض المؤذن بالغضب (قُلْ) أي يا أحب خلقنا إلينا المستحق للإقبال عليه بالخطاب ، لهذا الذي قد حكم بكفره مهددا له بما يقوته بلذيذ عيشه في الدنيا من الفيض من الجناب الأقدس ويؤول إليه أمره من العذاب الأكبر : (تَمَتَّعْ) أي في هذه الدنيا التي هي وكل ما فيها ـ مع كونه زائلا ـ يفيض إلى الله ، فهو من جملة المقت إلا لمن صرفه في طاعة الله.
ولما ذكر تمتيعه بالخسيس ، ذكر سببه الخسيس تعظيما لأجور المؤمنين لانصرافهم عن الكفر مع علمهم بأنه من أسباب التمنيع وبيانا لذوي الهمم العوال من غيرهم فقال : (بِكُفْرِكَ) ثم أشار إلى قلة زمن الدنيا وما فيها في جنب الآخرة فقال : (قَلِيلاً) ثم علل ذلك بما إذا غمس في عذابه أنعم أهل الدنيا غمسة واحدة قال : ما رأيت نعيما قط ، فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم بالنار ، ودفعا لما استقر في نفوسهم أن تنعيمهم في الدنيا إنما هو لقربهم من الله ومحبته لهم ، وأن ذلك يتصل بنعيم الآخرة على تقدير كونها : (إِنَّكَ) وهذا الأمر هنا يراد به الزجر ، تقديره : إن تمتعت هكذا كنت (مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) أي الذين لم يخلقوا إلا لها (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها) [الأعراف : ١٧٩].
ولما أرشدت «أم» قطعا في قراءة من شدد إدغاما لإحدى الميمين في الأخرى أن التقدير شرحا لأحوال المؤمنين بعد أحوال المشركين : أهذا ـ الذي يدعو الله مرة ، وغيره ممن يجعله له ندا أخرى ـ أسد طريقة وأقوم قيلا : (أَمَّنْ هُوَ) والتقدير في قراءة نافع وابن كثير وحمزة بالتخفيف : أمن هو بهذه الصفة خير أم ذلك الكافر الناسي لمن أحسن إليه ، ويرجح التقدير بالاستفهام دون النداء إنكار التسوية بين العالم الذي حداه علمه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
