ولما ذكر سبحانه أنه المختص بالملك وحده ، وأتبعه بما يرضيه وما يسخطه ، أقام الدليل على ذلك الاختصاص مع أنه أوضح من الشمس بدليل وجداني لكل أحد على وجه ذمهم فيه بالتناقض الذي هم أعظم البأس ذما له ونفرة منه وذما به فقال : (وَإِذا) وهي ـ والله أعلم ـ حالية من واو (تُصْرَفُونَ) وكان الأصل : مسكم ، ولكنه عمم ودل بلفت القول عن الخطاب على الوصف الموجب للنسيان فقال : (مَسَّ الْإِنْسانَ) أي هذا النوع الآنس بنفسه مؤمنه وكافره (ضُرٌّ) أي ضر كان من جهة يتوقعها ـ بما أشار إليه الظرف بمطابقة المقصود السورة مع تهديد آخر التي قبلها (دَعا رَبَّهُ) أي المحسن إليه الذي تقدم تنبيهكم من غفلتكم عليه بقوله (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ) ذاكرا صفة إحسانه (مُنِيباً) أي راجعا رجوعا عظيما (إِلَيْهِ) بباطنه مخلصا في ذلك عالما أنه لا يكفيه أمره غيره ضرورة يجدها في نفسه لأن الضر أزال عنه الأموية والحظوظ ، معرضا عما كان يزعم من الشركاء معرفا لسان حاله أنه لا شريك له سبحانه كما هو الحق فتطابق في حال الضراء الحق والاعتقاد.
ولما كان الإنسان لما جبل عليه من الجزع واليأس إذا كان في ضر استبعد كل البعد أن يكشف عنه ، لتقيده بالجزئيات وقصوره على التعلق بالأسباب ، أشار إلى ذلك مع الإشارة إلى الوعد بتحقيق الفرج فقال : (ثُمَ) أي بعد استبعاده جدا. ولما كان الرخاء محققا ، وهو أكثر من الشدة ، عبر بأداة التحقق ، فقال منبها بالتعبير ب «خول» على أن غطاءه ابتداء فضل منه لا يستحق أحد عليه شيئا ، لأن التخويل لا يكون جزاء بل ابتداء : (إِذا خَوَّلَهُ) أي أعطاه عطاء متمكنا ابتداء ، وجعله حسن القيام عليه قادرا على إجادة تعهده (نِعْمَةً مِنْهُ) ومكنه فيها (نَسِيَ) أي مع دعائه أنه يشكر على الإحسان ، فكانت مدة تخويله ظرف نسيانه ، فعلم أن صلاحه بالضراء (ما) أي الأمر الذي (كانَ يَدْعُوا) ربه على وجه الإخلاص (إِلَيْهِ) أي إلى كشفه من ذلك الضر الذي كان ، وأعلم بتقارب وقتي النسيان والإنابة بإثبات الجار فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي قبل حال التخويل (وَجَعَلَ) زيادة على الكفران بنسيان الإحسان (لِلَّهِ) أي الذي لا مكافىء له بشهادة الفطرة والعقل والسمع (أَنْداداً) أي لكونه يتأهلهم ، فينزلهم بذلك منزلة من يكون قادرا على المعارضة والمعاندة ، فقد علم من التعبير بالنسيان أنه عالم بربه ، ولذلك دعاه في كشف ضره وأنه جعل علمه عند الإحسان إليه جهلا ، فكان كمن لا يعلم من سائر الحيوانات العجم.
ولما كان ذلك في غاية الضلال ، لكونه ـ مع أنه خطأ ـ موجبا لقطع الإحسان وعدم الإجابة في كشف الضر مرة أخرى وكانوا يدعون أنهم أعقل الناس ، وكان هذا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
